🖊بقلم المستشار الاعلامي هيثم زكريا الأصيل
تعد اللغة أسمى ما تميز به الإنسان فهي الوعاء الحي للفكر والذاكرة الجمعية والهوية الثقافية ومن خلالها انتقلت الخبرات وتراكمت المعارف وتشكل التاريخ الإنساني ومنذ أن وعى الإنسان ذاته ظل سؤال نشأة اللغة وكيف بدأت وكيف تنوعت واحدا من أكثر الأسئلة عمقا وإثارة في الفكر الإنساني
تنظر الرؤية الدينية إلى اللغة بوصفها عطية إلهية منحها الله للإنسان منذ اللحظة الأولى لوجوده حيث تعلم آدم عليه السلام الأسماء كلها وهو ما يدل على أن القدرة على التعبير والتسمية والفهم كانت كامنة في الإنسان منذ البداية لا وليدة المصادفة أو التطور العشوائي ويتقاطع هذا التصور مع فرضيات علمية حديثة ترى أن البشرية انطلقت من لغة أم واحدة تفرعت عنها اللغات لاحقا بفعل الهجرات البشرية واتساع الرقعة الجغرافية واختلاف البيئات وأنماط الحياة
ومع مرور العصور وانتشار الإنسان في القارات تشعبت اللغات وتمايزت تدريجيا فظهرت العائلات اللغوية الكبرى التي تربط بين لغات متعددة في أصل واحد ويعد هذا التقسيم من أهم إنجازات علم اللغويات التاريخية حيث نجد العائلة الهندية الأوروبية التي تضم لغات واسعة الانتشار مثل الإنجليزية والإسبانية والهندية والفارسية كما نجد العائلة الأفرو آسيوية التي تنتمي إليها العربية والعبرية والأمهرية وهي من أقدم اللغات التي عرفت التدوين والكتابة إضافة إلى العائلة الصينية التبتية التي تشكل الأساس اللغوي لشرق آسيا
في بداياتها الأولى كانت اللغة منطوقة فقط تنتقل من جيل إلى جيل عبر السماع والحفظ حتى جاءت اللحظة الفارقة مع اختراع الكتابة فشهد التاريخ الإنساني تحولا جذريا بظهور الكتابة المسمارية في بلاد الرافدين والكتابة الهيروغليفية في مصر القديمة ثم تطورت النظم الكتابية وصولا إلى الأبجدية الفينيقية التي شكلت الأساس لمعظم الأبجديات اللاحقة وفي العصور الوسطى لعبت اللغات الدينية والعلمية دورا محوريا فكانت العربية لغة العلم والفلسفة في العالم الإسلامي واللاتينية لغة المعرفة في أوروبا
ويشهد عالم اليوم تنوعا لغويا هائلا حيث توجد آلاف اللغات الحية المنتشرة في مختلف القارات مع تركيز ملحوظ للتنوع اللغوي في قارتي آسيا وإفريقيا وتتصدر بعض اللغات المشهد العالمي من حيث عدد المتحدثين أو التأثير الدولي مثل الإنجليزية التي أصبحت لغة التواصل العالمي والصينية من حيث عدد الناطقين الأصليين إضافة إلى الهندية والإسبانية والعربية التي تميزت بقدرتها على الثبات والانتشار عبر قرون طويلة
ورغم هذا الثراء اللغوي تواجه لغات كثيرة خطر الاندثار في العصر الحديث نتيجة العولمة وهيمنة اللغات الكبرى والهجرة من البيئات المحلية إلى المدن الكبرى ومع اختفاء كل لغة يضيع جزء فريد من التراث الإنساني بما يحمله من رؤى للعالم ومعارف شعبية وتجارب تاريخية لا تعوض
إن تنوع الألسن يظل شاهدا على عبقرية الخلق الإنساني ورحلة اللغة من البدايات الأولى إلى عالم الذكاء الاصطناعي تعكس قدرة الإنسان على التطور والتكيف والتجديد والحفاظ على اللغات هو في جوهره حفاظ على الذاكرة الإنسانية وصون لجوهر الهوية البشرية في أرقى تجلياتها.
ضي النهار قلم حر .. بدون قيود