مقالات

رحلة الذاكرة في دروب الجنوب.. “المؤرخ صلاح علي فراج” يوثق جغرافيا التاريخ لقرى ومراكز أسيوط

في سردية تاريخية ممتعة تمزج بين جغرافيا المكان وعبقرية الزمان، قدم المؤرخ الأسيوطي القدير صلاح علي فراج، وثيقة تراثية بالغة الأهمية تحت عنوان “حكايات أسيوطية”، طاف من خلالها بين ثنايا التاريخ واللغات القديمة ليفك شفرات وأسرار أسماء قرى ومدن محافظة أسيوط. هذه الحكايات لم تكن مجرد رصد لأسماء جغرافية، بل جاءت لتؤكد كيف أن تراب أسيوط كان -ولايزال- شاهداً على تقاطع الحضارات الفرعونية، اليونانية، الرومانية، القبطية، والإسلامية، وموطناً للبطولة والتصدي للاحتلال عبر العصور.

ونستعرض معكم هذا التوثيق التاريخي الرائع لبلاد الذهب والحدائق والبطولات كما خطته ريشة المؤرخ:

1. القوصية: محراب العائلة المقدسة وموطن الرماة

ارتبطت القوصية بالتاريخ القديم حيث عُرفت باسم “قيس” ثم “كوساي” في العصرين اليوناني والروماني. وعقب الفتح الإسلامي لمصر، اشتهر أهلها بالمهارة الفائقة في ضرب القوس، فأطلق عليها “القواسية” حتى استقر الاسم على “القوصية”. وتضم المركز قرية “المنشأة الكبرى” الحاضنة لدير “المحرق” الأثري الشريف، الذي شهد مكوث العائلة المقدسة لمدة 6 أشهر وبضعة أيام أثناء رحلتها المباركة إلى مصر.

2. أبوتيج: مخزن التاريخ ومقام “سلطان الصعيد”

مدينة فرعونية عريقة يتجاوز عمرها 4 آلاف سنة، حملت اسم “بوتيك” وتعني “المخزن” بالإغريقية، وتحورت في القبطية إلى “تابوتيكي” ثم “بوتيج”، حتى استقرت على “أبوتيج” بعد الفتح الإسلامي. وتفتخر المدينة بوجود مسجد وصرح العارف بالله السلطان الفرغل “سلطان الصعيد”، الذي يعد أحد أبرز المزارات الدينية الإسلامية في مصر.

3. أبنوب: مقابر الملوك والديار المعلقة

تتميز أبنوب بعراقتها الأثرية؛ حيث تحتضن مقابر حكام وأمراء الفراعنة المنحوتة في جبل قرية “عرب العطيات البحرية”، فضلاً عن وجود معبد روماني بقرية “المعابدة”، ودير القديس مارمينا العجايبي الشهير بـ “الدير المعلق” الذي يقف شاهداً على عظمة البناء في قلب الجبل.

4. البداري: عاصمة الرمان وصناعة الجريد

تقع في الجنوب الشرقي للمحافظة، وتعد سلة غذاء أسيوط والشرق الأوسط لإنتاجها المتميز من الموالح، المانجو، وعسل النحل، وتربعها على عرش إنتاج الرمان عالمياً، بجانب تميز أهلها التاريخي في الصناعات اليدوية التراثية مثل صناعة الأقفاص من جريد النخل.

5. منفلوط: وادي القمح وأرض الثورة والأدب

حملت في الهيروغليفية اسم “مينالوط” أي “وادي القمح”، وقدمت لمصر قامات فكرية ودينية كبرى كالأديب الرائد مصطفى لطفي المنفلوطي، ومفتي الديار الأسبق الشيخ حسنين مخلوف. وتحتضن منفلوط قرية “بني عديات” الباسلة التي سجلت ملحمة فداء كبرى وتصدت بصدور عارية للحملة الفرنسية، وتشتهر بصناعة الكليم اليدوي المميز.

6. ديروط: من بساتين “تيروبي” إلى ثورة 1919

نظراً لكثرة تساؤلات رواد الصفحة، خصص المؤرخ حديثاً وافياً عن ديروط:

  • ديروط الشريف: أصل اسمها القديم “تيروبي” (أي الحديقة أو الأم المرضعة)، وعرفت بـ “ديروط الشريف” نسبة إلى الشريف حصن الدولة ثعلب بن علي الجعفري في العهد الأيوبي، والذي قاد حفيده حركة ثورية ضد المماليك عام 651 هـ.

  • ديروط الحديثة: نشأت وتوسعت عقب بناء قناطر ديروط عام 1871م. وسطر أهلها صفحة مجد في ثورة 1919 حين تصدوا بشجاعة لسفينة حربية إنجليزية كانت متجهة لإخماد الثورة في أسيوط، وأوقعوا بالجنود الإنجليز خسائر فادحة.

  • قرية دشلوط: كبرى قرى المركز وأغناها، تم اختيارها كأولى مدن الظهير الصحراوي عام 2008، وتضم منطقة صناعية واعدة، وتشتهر بالمحاجر وتجارة أهلها الواسعة، كما تضم ضريح العارف بالله إبراهيم أبو العيون.

7. صدفا: بوابة الجنوب ومنبع الفكر والأعلام

تقع في المدخل الجنوبي لأسيوط (على بعد 40 كم)، وتضم معالم دينية بارزة كمسجد سيدي أبي العباس السبتي، وكنيسة الشهيدين الأنبا بشاي والأنبا بطرس. وقدمت صدفا لمصر قامات رفيعة، أبرزهم الشيخ سرور علي سرور مفتي الديار الأسبق، والكاتب الصحفي والمفكر الكبير الراحل أحمد بهاء الدين.

8. الغنايم: عبير الهوارة والتاريخ المسيحي القديم

سميت نسبة إلى “سعيد غنيم” من عائلة الهوارة (يرجع أصله لقبيلة سبأ باليمن والوافد مع عمرو بن العاص)، حيث استقر بالمنطقة عام 1380م. وتعد كنيسة السيدة العذراء بـ “دير الجنادلة” أحد أقدم المعالم الأثرية والمسيحية بالمنطقة.

9. ساحل سليم: أرض الحدائق وحضارات ما قبل التاريخ

يعود تاريخها إلى العصر الحجري الحديث لوجود آثار “دير تاسا” التي أسست لحضارة عصر ما قبل التاريخ. وسميت نسبة لقبييلة “بني سليم” العربية التي استقرت على ضفاف النيل بعد الفتح الإسلامي، وتشتهر بتصدير الموالح، وتضم قرية “المطمر” الأثرية وبها معبد رمسيس الثاني.

10. الفتح: مسقط رأس ناصر وخان الخليلي بأسيوط

أحدث مراكز المحافظة؛ حيث انفصل عن مركز أبنوب في أكتوبر عام 1998 ليصبح مركزاً مستقلاً. ويضم قرية “بني مر” الشهيرة بصناعة منتجات خان الخليلي اليدوية والتصديرية، وهي مسقط رأس الزعيم الخالد جمال عبد الناصر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى