يكفينا ما فاته الأجداد من ميراث بديع يسحر العقول ويخطف الألباب، وهنا أنا لا أغوص في جميع ملامح الموروث وعناصره وتفاصيله العبقرية والمعجزة، ولكن سأكتفي بعنصر الجمال وما يحتويه من سحر كامن وإبداع باهر وإخلاص نادر وقدرة ومقدرة نبيلة ومعجزة متحققة في كل ألوان التركات المادية، وبنظرة خاطفة من عين ما زالت تحتفظ بمائها البكر وصفائها الفطري الصحيح والمحاصر حالياً بكل ألوان القبح الذميم والجهل المدقع، تتكشف كل هذا القدر المتدفق مما كان يمتلكه هؤلاء الأجداد العظام من وجدان رقيق وإحساس راقٍ وعقل منظم ونفس سوية وروح هائمة تنعكس في كل التفاصيل والأجزاء والملامح والهوية والإطار.
من هنا يمكن حساب المسافة الإنسانية والهوة النفسية العميقة بين ما كان عليه أجدادنا وما نحن فيه من تدنٍ وانحدار يعصف بأجيالنا في دوائر القبح والتخلف والعذاب والجهل العتيق.
فلسفة الجمال في كل مفردات الحياة ليست ترفاً ولا مكملاً ثانوياً، بل هي ضرورة واجبة ومنهج حتمي لحياة ميسرة وأناس أسوياء ومجتمع مستقر وتفاعلات إنسانية محترمة.
جاءت التركة المعجزة والمعلمة فلم تجد لها وريثاً يقدرها ولا ابناً شرعياً ينميها ويطورها، بل والأعجب جاءت لمن يحتقرها ويعتبر التمسك بها من أسباب الرجعية والتخلف.
لقد أدرك أجدادنا هذه الفلسفة، وكانت نصب أعينهم في جميع تفاصيل حياتهم، وبدلاً من الحفاظ على ضوء وسطوع تركتهم الغالية التي تنير لنا السبيل وتهذب لنا الوجدان وتعلي من صفاء النفوس وشفاء الأرواح، جاءت تركتهم المعجزة والمعلمة فلم تجد لها وريثاً يقدرها ولا ابناً شرعياً يصونها وينميها ويطورها، بل صار من الورثة الشرعيين من يجهل ولا يدري عنها شيئاً، بل والأعجب هناك من يدري ويحتقرها ويعتبر التمسك بها من أسباب الرجعية والتخلف.
تبصير الأجيال المتعاقبة بماضيهم وتاريخهم قضية وعي قومي، وهو مسؤولية منظومة متكاملة لكل الوزارات والمؤسسات حتى نلحق بالأجيال القادمة، فمن لا يدرك لغة الماضي ليس له حاضر، ومن ليس له حاضر دمره المستقبل.
ضي النهار
