المؤرخ صلاح على فراج
في حكاية من طراز فريد تجمع بين دفء العلاقات الإنسانية وشراسة الصراعات السياسية في صعيد مصر، يروي لنا السياسي المستقل الأستاذ محمود فهمي النقراشي، فصلاً استثنائياً من تاريخ مركز القوصية بأسيوط. بطلة هذه الرواية هي السيدة زينب أحمد جاد الرب، الشهيرة بـ “الست زوزو”، المرأة التي استطاعت بابتسامتها وبشاشتها وحبها للفقير قبل الغني أن تمحو إرث والدها الحديدي، وتبني إمبراطورية من الود والروابط الاجتماعية مكنتها من إسقاط عمالقة السياسة ورجال السلطة في معارك برلمانية لا تزال تُروى حتى اليوم.
ويرصد لنا الكاتب والسياسي محمود فهمي النقراشي مسيرة هذه السيدة الاستثنائية وتأثيرها الممتد حتى في حياة أبنائها بعد رحيلها:
من صولجان “جاد الرب باشا” العنيف إلى واحة الود
تولت الست زوزو إدارة شؤون عائلة جاد الرب عقب وفاة والدها أحمد جاد الرب باشا عام 1944، والذي أدار القوصية لسنوات طويلة بأسلوب اتسم بالقوة والعنف والظلم دون أن يترك خلفه مشاريع إصلاحية تخدم الأهالي (على عكس معاصره أحمد باشا قرشي مؤسس ديروط القرشية). وبعد وفاة شقيقها الوحيد عبد المنعم، آلت الزعامة للست زوزو، فاختارت طريقاً مغايراً تماماً لوالدها؛ أدارت شؤون عائلتها وبلدتها باللطف، ومشاركة الناس في السراء والضراء، جابرةً للخواطر في كل بيت بالمركز، مما كفل لها مكانة تخطت صيت والدها الباشا.
معركة الثأر السياسي.. كسر احتكار “آل جريس” بقرية مير
تزوجت الست زوزو من الأستاذ فوزي أبو سيف المحامي (من عائلة فودة، أعيان قرية التمساحية)، وقررت خوض معركة سياسية لتسترد هيبة عائلتها التي كُسرت قديماً عندما سقط والدها في أوج قوته أمام “لبيب جريس باشا” (المسيحي من قرية مير).
دفعت الست زوزو بزوجها الأستاذ فوزي أبو سيف في انتخابات مجلس النواب أمام “لوقا جريس” (شقيق من أسقط والدها)، وبفضل شبكة علاقاتها العنكبوتية وحب الناس الجارف لها، حقق زوجها نجاحاً مدوياً، لتثبت لأهالي القوصية أن الحب والجميل أقوى بكثير من السلاح والسطوة والمال.
قهر مرشح السلطة.. هزيمة والد “نبيل العربي”
لم تتوقف طموحات الست زوزو السياسية؛ ففي انتخابات برلمانية تالية، واجه زوجها مرشحاً بارزاً مدعوماً من السلطة على مستوى الجمهورية، وهو القانوني العملاق الدكتور محمد عبد الله العربي (والد الدكتور نبيل العربي أمين عام جامعة الدول العربية الأسبق). ورغم صعوبة المعركة وشدتها، انتصر مرشح “الست زوزو” مجدداً بفضل رصيدها الشعبي الذي لا ينفد.
الرحيل المبكر وامتداد الأثر في الأبناء “حمادة وكمال”
رحلت الست زوزو عن دنيانا في جنازة تاريخية مهيبة شهدتها القوصية بأكملها، تاركةً طفليها (حمادة وكمال) في سن صغيرة، ورغم أنها لم تترك معالم أو بنية تحتية ملموسة كالمستشفيات أو المدارس، إلا أنها تركت لهما “أعظم سيرة” فتحت لهما كل الأبواب:
-
حمادة فوزي أبو سيف (أصبح محاسباً ودخل عالم السياسة).
-
كمال فوزي أبو سيف (أصبح طبيباً).
ويروي الكاتب الأستاذ محمود فهمي النقراشي، بصفته صديقاً مقرباً لهما، أنه نصحهما بشدة بالابتعاد عن دهاليز السياسة خشية أن يكونا مطمعاً للمنافسين، إلا أن حب الناس لوالدتهما والذكرى العطرة للست زوزو دفعت “حمادة” للنجاح كعضو مجلس شعب في معركة شرسة عام 1976، ثم واصل مسيرته بين إخفاق ونجاح بنظام القائمة عام 1984، مستنداً في كل خطوة إلى ذلك الرصيد الإنساني الذي زرعته والدته قبل عقود.
ضي النهار