9 مايو.. يوم أشرقت فيه شمس “قيثارة السماء” وغابت: رحلة الشيخ محمد رفعت من الميلاد إلى الخلود

Haythamaseel مايو 9, 2026 4:45 مساءً مقالات 0

🖋بقلم المستشار الاعلامي هيثم زكريا الأصيل

يمر اليوم، التاسع من مايو، ذكرى استثنائية في تاريخ دولة التلاوة المصرية والعالم الإسلامي؛ فهو اليوم الذي شهد ميلاد ورحيل صاحب الحنجرة الذهبية واللقب الخالد “قيثارة السماء”، الشيخ محمد رفعت. ففي مثل هذا اليوم من عام 1882 ولد، وفي نفس اليوم من عام 1950 صعدت روحه إلى بارئها، تاركاً خلفه إرثاً صوتياً وتعبدياً لم يتكرر.

الميلاد والنشأة: من ظلمة البصر إلى نور البصيرة

ولد محمد رفعت محمود رفعت في حي “المغربلين” بالقاهرة. فقد بصره وهو في الثانية من عمره، لكن والده لم يستسلم لهذا القدر، بل وجهه لحفظ القرآن الكريم. وبحلول العاشرة، كان الطفل الصغير قد أتم حفظ كتاب الله وتجويده في كُتّاب الشيخ “عليوة”. لم يكن رفعت مجرد قارئ، بل كان فناناً بالفطرة؛ فقد درس علم القراءات والمقامات الموسيقية بعمق، مما مكنه من تطويع صوته لخدمة المعنى القرآني.

1934: اللحظة التي غيرت وجه الإذاعة المصرية

ارتبط اسم الشيخ رفعت بانطلاق الإذاعة الحكومية المصرية عام 1934، حيث كان أول صوت يصدح عبر أثيرها بقوله تعالى: $إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا$. ومنذ تلك اللحظة، أصبح صوته طقساً يومياً لا غنى عنه، وجذبت تلاوته الملايين من مختلف الجنسيات والأديان، حتى قيل إن الطيارين والبحارة الأجانب كانوا يحرصون على سماعه دون فهم اللغة، سحراً بجرس صوته وعمقه.

سر القيثارة: الخشوع الذي يبكي القلوب

تميز الشيخ رفعت بأسلوب “التصوير النغمي” للآيات؛ فكان ينتقل بين المقامات الموسيقية (كالبياتي، والصبا، والنهاوند) بتلقائية مذهلة تعكس هيبة الوعيد وبشرى الرحمة. لم يكن يقرأ بلسانه فحسب، بل بقلبه؛ لذا كانت نبرات “البكاء” في صوته صادقة، تصل إلى شغاف القلوب قبل الآذان. وُصف بأنه “سيد قرّاء الزمان”، واعتبره الموسيقيون معجزة في الأداء الصوتي والتحكم بالنفس.

المحنة والوفاة: عزة نفس “وليّ من أولياء الله

في سنواته الأخيرة، أصيب الشيخ بمرض “الفواق” (الزغطة) الذي منعه من التلاوة، ثم ورم حنجري حاد. ورغم ضيق ذات اليد، ضرب الشيخ أروع الأمثلة في عزة النفس؛ إذ رفض قبول تبرعات جُمعت له من محبيه بلغت آلاف الجنيهات (وهو مبلغ ضخم حينها)، قائلاً جملته الشهيرة: “أنا مستور، وقارئ القرآن لا يمد يده”.

وفي 9 مايو 1950، غاب الجسد وبقي الصوت هادياً ومنيراً. واليوم، وبعد مرور أكثر من سبعة عقود على رحيله، لا يزال صوت الشيخ محمد رفعت هو “الماركة المسجلة” لشهر رمضان ولقلوب المشتاقين لنفحات السماء، ليظل رمزاً لا يُطمس وتاريخاً لا يُنسى.

رحم الله الشيخ محمد رفعت، بقدر ما رتل وأمتع وأخشع القلوب.