تعيش سوريا مرحلة دقيقة تُعيد رسم ملامح الدولة بعد سنوات طويلة من الصراع والانقسام، ففي ظل التحولات السياسية التي تشهدها دمشق بقيادة المرحلة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع، تتشكل معادلة جديدة عنوانها استعادة الدولة ومواجهة مشاريع التقسيم، وسط دعم عربي متزايد تقوده مصر والسعودية باعتباره صمام أمان للحفاظ على الهوية السورية ووحدة أراضيها.
سوريا بين استعادة السيادة ومخاطر التقسيم
لم تعد التحديات التي تواجه دمشق مقتصرة على إعادة بناء المؤسسات أو معالجة آثار الحرب، بل أصبحت المعركة الأساسية مرتبطة بالحفاظ على السيادة الوطنية في مواجهة تحركات إسرائيلية تسعى لفرض واقع جغرافي وأمني جديد داخل الأراضي السورية، عبر تعزيز وجودها العسكري ومحاولة خلق مناطق نفوذ ممتدة في الجنوب السوري.
وفي المقابل، تعمل القيادة السورية الانتقالية بدعم عربي مباشر على تثبيت اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974 كمرجعية قانونية تمنع فرض أي تغييرات ميدانية جديدة، خاصة في مناطق القنيطرة وجبل الشيخ، بما يضمن حماية الحدود السورية من محاولات التوسع والاختراق.
دمشق تستعيد توازنها الداخلي
شهدت الأشهر الأخيرة تطورات بارزة على صعيد توحيد الجغرافيا السورية، بعد نجاح الحكومة الانتقالية في إعادة بسط نفوذها على عدة مناطق استراتيجية، إلى جانب التوصل لاتفاقات دمج مع القوى المحلية في الشرق السوري، الأمر الذي ساهم في إعادة حقول النفط والمعابر الحيوية إلى سيطرة الدولة.
وجاء هذا التحول نتيجة تحركات سياسية ودبلوماسية قادتها القاهرة والرياض بهدف منع تفكك سوريا إلى كيانات متصارعة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس تضمن وحدة التراب السوري واستقرار المنطقة بأكملها.
القاهرة.. دعم الدولة لا الوصاية
يلعب الدور المصري في الملف السوري دورًا محوريًا يرتكز على دعم مؤسسات الدولة والحفاظ على تماسكها، بعيدًا عن أي محاولات للهيمنة أو فرض الإرادة السياسية، إذ تتعامل القاهرة مع دمشق باعتبارها شريكًا عربيًا كامل السيادة.
وقد انعكس ذلك في طبيعة العلاقات الرسمية التي شهدت انفتاحًا واضحًا وتعاونًا متزايدًا في ملفات إعادة الإعمار والأمن الغذائي ونقل الخبرات الفنية، خاصة في مجالات البنية التحتية وإدارة الموارد المائية.
كما تواصل المؤسسات الدينية المصرية، وفي مقدمتها الأزهر الشريف والكنيسة المصرية، لعب دور معنوي وثقافي في دعم وحدة المجتمع السوري وتعزيز خطاب التعايش الوطني.
السعودية تقود مرحلة الإعمار
في المقابل، تتصدر المملكة العربية السعودية المشهد الاقتصادي في سوريا الجديدة، عبر استثمارات ضخمة ومشروعات تنموية تستهدف إعادة تشغيل الاقتصاد السوري ودمجه في محيطه العربي والدولي.
وتسعى الرياض إلى تحويل سوريا إلى مركز اقتصادي ولوجستي يربط الخليج العربي بمنطقة البحر المتوسط، من خلال تطوير قطاعات النقل والطيران والتحول الرقمي والطاقة، بما يعزز من فرص الاستقرار طويل المدى ويمنح دمشق دورًا إقليميًا جديدًا.
الطاقة والدبلوماسية الاقتصادية
تسير سوريا كذلك نحو استعادة دورها في ملف الطاقة الإقليمي، خاصة مع مشروعات الربط بخط الغاز العربي، الأمر الذي يفتح الباب أمام اندماجها في منظومة الطاقة بشرق المتوسط.
وبالتوازي مع ذلك، تتحرك الدبلوماسية العربية في العواصم الغربية للمطالبة بتخفيف العقوبات المرتبطة بإعادة الإعمار، مقابل تقدم واضح في ملفات العدالة الانتقالية وإعادة بناء المؤسسات المدنية.
انفتاح متوازن على القوى الدولية
تحاول دمشق في المرحلة الحالية تبني سياسة خارجية متوازنة قائمة على المصالح المشتركة، عبر الحفاظ على علاقاتها مع موسكو، والانفتاح اقتصاديًا على الصين ومبادرة الحزام والطريق، بما يتيح تنويع الشراكات الدولية وتقليل الضغوط السياسية والاقتصادية.
العدالة الانتقالية ومواجهة اقتصاد الفوضى
ضمن مسار إعادة بناء الدولة، بدأت السلطات السورية اتخاذ خطوات تتعلق بمحاسبة رموز النظام السابق، بالتزامن مع حملات موسعة لمواجهة تجارة المخدرات وتجفيف مصادر التمويل غير الشرعية، في محاولة لإعادة تقديم سوريا كشريك إقليمي مسؤول في ملفات الأمن والاستقرار.
الإنسان السوري.. رهان المستقبل
يبقى العنصر البشري هو التحدي الأهم في معادلة التعافي، إذ تراهن دمشق بدعم عربي على استعادة الكفاءات السورية المهاجرة وإعادة دمجها في عملية التنمية، باعتبار أن بناء الدولة لا يكتمل دون استعادة العقول والخبرات التي غادرت خلال سنوات الحرب.
سوريا الجديدة.. بين الوحدة والتنمية
تتجه الرؤية المستقبلية لسوريا نحو نموذج يمنح الأقاليم مرونة إدارية مع الحفاظ على مركزية الدولة وسيادتها، بما يحقق التوازن بين التنمية المحلية ووحدة القرار الوطني، ويغلق الباب أمام أي مشاريع تستهدف تفتيت البلاد.
وفي ظل هذه التحولات، تبدو سوريا اليوم اختبارًا حقيقيًا لقدرة النظام العربي على حماية الأمن القومي المشترك، فنجاح التجربة السورية لن يكون انتصارًا لدمشق وحدها، بل خطوة مفصلية في إعادة ترميم التوازن العربي في المنطقة بأسرها.

