جريمة أبنوب.. بقلم محمد جمعة مدير عام تلفزيون جامعة أسيوط

ضى النهار مايو 20, 2026 10:51 مساءً مقالات 0

 

اعتاد الأمر في بلادنا المكلومة أن يكون “المرض النفسي” شماعة جاهزة لتبرير الجرائم الغريبة والبشعة التي تخرج عن حدود المنطق والعقل، فيُنسب المرض النفسي سريعًا إلى مرتكب الجريمة، في محاولة للتهدئة المجتمعية وتخفيف الأثر وامتصاص ردود الفعل.

ورغم أن هذا التبرير أصبح مستهلكًا ومفضوحًا لدى الناس، فإنه ما زال يُستخدم بصورة تثير الدهشة، وكأن الرأي العام لا يدرك حقيقة ما يجري.

وفي جريمة أبنوب تحديدًا، وقبل اكتمال البحث والتحريات، بل وحتى قبل صدور بيان رسمي من النيابة العامة يكشف حيثيات الجريمة وملابساتها، تم الترويج سريعًا إلى أن مرتكب الحادث يعاني من مرض نفسي، وهو ما أثار حالة واسعة من الجدل والغضب في أنحاء المحافظة كافة.

وبهذا الصدد، حاولت أن أعاند عقلي وأقتنع بأن من أطلق النار عشوائيًا وحصد أرواح ثمانية أبرياء، إلى جانب خمسة مصابين، لا يمكن أن يكون في كامل وعيه، لكن الواقع يشهد بأن البيئة التي خرج منها مرتكب الجريمة تعج ببؤر السلاح والمخدرات، وغيرها من مصادر تهديد الأمن العام والسلم المجتمعي.

ورغم المحاولات الأمنية المتكررة لتتبع هذه المناطق والسيطرة على بؤر السلاح والإجرام بها، ومنها تصفية أحد أباطرة السلاح منذ شهور، فإن تلك المناطق ما زالت مأهولة بأخطر أنواع الأسلحة والمواد المخدرة.

وليس من المنطق أن ننتظر مريضًا نفسيًا آخر يخرج علينا بسلاحه المحرم من هذه البيئة الموبوءة، ليحصد مزيدًا من أرواح الأبرياء.

ورغم أن المجرم قد تمت تصفيته، فإن الخطر لا يزال قائمًا، ما دام هناك من يحملون السلاح ويتاجرون في المخدرات والآثار، ويشكلون تهديدًا مباشرًا لأمن المجتمع والدولة.

إن التطهير الأمني لهذه البيئات وتجفيف منابع السلاح والمخدرات والأنشطة الإجرامية أصبح ضرورة حتمية، وصمام أمان يحول دون سقوط مزيد من الضحايا الأبرياء.

ونحن نعلم حجم التضحيات التي تقدمها وزارة الداخلية في مواجهة الخارجين عن القانون، حفاظًا على أمن المجتمع واستقرار الوطن، لكن هذه المنطقة في قلب الصعيد، والتي أفرزت عقلية مرتكب جريمة أبنوب، تحتاج إلى خطة عاجلة ومبتكرة للتطهير، تراعي تعقيدات المكان والعصبيات والتشابكات القائمة، حتى نحمي مجتمعنا من تلك النماذج التي امتلكت السلاح والنفوذ والمال، فغابت عنها الإنسانية والمنطق، ولم تتردد في إزهاق أرواح الأبرياء