مكة أم القرى بلد البيت الحرام .. حبٌّ سكن قلب النبي ﷺ ولم يخرج منه

د. الأمير عبد العال عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية
ليست مكة مدينة كسائر المدن، ولا أرضًا تشبه سائر الأرض؛ إنها موضعٌ إذا ذُكرت تحرّك في القلب شيءٌ لا يُرى، وإذا مرّ اسمها على السمع انفتح في الروح بابٌ من الشوق. هناك، حيث تتعانق السماء والأرض حول بيت الله، وحيث تهفو أفئدة المؤمنين من كل مكان، تقف مكة شامخةً في ذاكرة الإيمان، كأنها قلب العالم الذي لا يهدأ نبضه، وكيف لا تكون كذلك، وهي البلد الذي اختاره الله ليكون حرمًا آمنًا، وجعل فيه بيته العتيق، وجعل الصلاة إليه قبلةً للمؤمنين، وجعل الطواف حوله عبادة، وجعل أفئدة الناس تهوي إليه؟
إنها مكة؛ البلدة التي ارتبطت بالتوحيد منذ أن رفع إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام قواعد البيت، والتي ظل اسمها عبر القرون مقرونًا بالعبادة والدعاء والأمان.
فيها وُلد خير الخلقﷺ، وعلى أرضها بدأت قصة النور التي غيّرت وجه التاريخ.
كان النبي ﷺ يحب مكة حبًّا عميقًا، فهي موطن مولده، وأرض طفولته، ومرتع ذكرياته، وفي أزقتها عاش، وعلى جبالها تأمل، وفي غار حراء جاءه أول الوحي، ومن شعابها خرجت دعوته الأولى إلى الناس.
وحين اشتد أذى المشركين، واضطرﷺ إلى الهجرة، لم تكن مفارقة مكة أمرًا هيّنًا على قلبه. لقد خرج منها وهو يحمل في صدره حبًّا لا يطفئه البعد، وحنينًا لا يسكّنه إلا الرجوع.
ومن أبلغ ما ورد في هذا المعنى قولهﷺ مخاطبًا مكة عند خروجه منها:(والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت).
يا لها من كلمات!
يقولها نبيٌّ كريم وهو يغادر أحب البلاد إليه، لا لأنه زهد فيها، ولا لأن قلبه انصرف عنها، ولكن لأن رسالة الله اقتضت أن يمضي، فكان الفراق مؤلمًا، لكن الطاعة كانت أحب.
ثم مضت السنوات، وعاد النبي ﷺ إلى مكة فاتحًا، لا يحمل في قلبه ثأرًا، ولا يرفع راية انتقام، وإنما عاد ليطهّر البيت من الأصنام، ويعيد للبلد الحرام صفاء التوحيد.
وهنا يظهر جمال النبوة في أبهى صوره: عادﷺ إلى الأرض التي أخرجته، وقد صار قادرًا على أهلها، فلم يجعل قدرته طريقًا إلى التشفي، وإنما جعلها طريقًا إلى الرحمة والعفو.
يكفي مكة شرفًا أن الله أقسم بها، فقال: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَٰذَا الْبَلَدِ وَأَنتَ حِلٌّ بِهَٰذَا الْبَلَدِ﴾
ويكفي أن فيها البيت الحرام، أول بيت وُضع للناس، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾
وفي مكة تتجه وجوه المسلمين في صلاتهم، من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، فتجتمع القلوب على قبلة واحدة، ويقف الغني والفقير، والملك والمملوك، والعربي والأعجمي، في مشهدٍ يختصر معنى العبودية لله.
وفيها الطواف الذي لا يكاد ينقطع، والدعاء الذي لا ينقطع، والدموع التي تنزل من عيون أناسٍ جاءوا من مسافات بعيدة، يحملون ذنوبًا أثقلت أرواحهم، وآمالًا لا يعلم حقيقتها إلا الله.
إن مكة تذكّر الإنسان بحقيقة كبرى: أن له ربًّا، وأن لهذا الرب بيتًا عظيمًا، وأن الطريق إليه يبدأ بقلبٍ خاشع، وينتهي برحمةٍ واسعة.
نحن لا نحب مكة لمجرد جبالها وشعابها، ولا لمجرد طرقاتها ومبانيها؛ إنما نحبها لأنها مهبط الوحي، وموطن البيت الحرام، وبلد النبي ﷺ، وموضع الذكريات الأولى لهذا الدين.
نحبها لأننا حين ننظر إلى الكعبة نتذكر إبراهيم عليه السلام وهو يرفع القواعد، وإسماعيل إلى جواره، ونسمع في وجداننا نداء التوحيد الذي امتد عبر القرون.
نحبها لأننا نتذكر سيدنا محمد ﷺ وهو يمشي في طرقاتها، يدعو قومه إلى الله، ويصبر على أذاهم، ويواجه التكذيب بثبات الأنبياء.
نحبها لأن فيها بيتًا تتعلق به أرواحنا قبل أن تطأه أقدامنا.
ولذلك قد يزور المرء مكة مرة، ثم يخرج منها بجسده، بينما يبقى قلبه هناك، وقد تمر السنوات، وينشغل الإنسان بأهله وعمله وأيامه، ثم يسمع فجأة: «مكة»… فإذا في القلب حنينٌ قديم، كأن الروح لم تغادرها قط.
من أجمل ما في حب مكة أن النبي ﷺ لم يُخفِ حنينه إليها، وهذا درسٌ بديع في إنسانية النبوة؛ فالنبي ﷺ كان رسولًا، وكان قلبه عامرًا بالإيمان، ومع ذلك كان يحب وطنه، ويشتاق إلى أرضه، ويتألم لفراقها.
وهكذا نعلم أن محبة الأوطان ليست نقصًا في الإيمان، وأن الحنين إلى الأماكن التي شهدت أجمل أيام الإنسان شعورٌ فطري كريم، لكن مكة عند النبي ﷺ كانت أكبر من وطن؛ كانت أرضًا اجتمع فيها حب المكان بحب العبادة، وذكريات الطفولة بذكريات الوحي، ومشقة الدعوة بعظمة الرسالة.
فإذا أحببنا مكة، فليكن حبنا لها امتدادًا لحب ما عظّمه الله فيها، وتعظيمًا لشعائر الله، واتباعًا لهدي نبيه صلى الله عليه وسلم.
ستظل مكة حاضرةً في قلوب المؤمنين، ما بقي في الأرض موحّد يقول: لا إله إلا الله، ستظل تلك الأرض التي تتوق إليها الأرواح، ويحن إليها المحبون، وتُشدّ إليها الرحال، ويقف عندها الإنسان طويلًا عاجزًا عن وصف ما يشعر به، وسيظل حب النبي ﷺ لمكة شاهدًا على مكانتها في قلبه، ودرسًا لنا في الوفاء والحنين وحب المواطن التي احتضنت بدايات أعمارنا وذكرياتنا.
فسلامٌ على مكة يوم كانت مهبطًا للوحي، وسلامٌ عليها يوم احتضنت خطى النبي ﷺ، وسلامٌ عليها يوم تهفو إليها أفئدة المؤمنين، وسلامٌ على من أحبها حبًّا صادقًا، فأحبّ معها ربَّها، وعظّم حرمتها، واتبع هدي نبيها.
اقرأ ايضًا:
“يُبعثون مُلبِّين”.. أمين الفتوى: الموت في البقاع المقدسة من علامات “حسن الخاتمة”
الإفتاء توضح حكم تكرار العمرة في السفرة الواحدة.. مقبولة أم باطلة؟
هل يرث الرجل زوجته إذا توفيت في العدة بعد الطلاق الرجعي؟.. أمين الفتوى يوضح
مقال بقلم: الشيخ عبد القادر الطويل
عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية
المصدر:
رابط المصدر الأصلي


