مع ارتفاع الغذاء عالميًا.. هل تكفي قيمة الدعم النقدي في يناير؟

قال خبيران اقتصاديان إن استمرار ارتفاع أسعار الغذاء عالميًا واضطراب سلاسل الإمداد، خاصة مع تداعيات الحرب الإيرانية والهجمات الروسية والأوكرانية في البحر الأسود، قد يفرض ضغوطًا إضافية على أسعار السلع في السوق المصرية خلال الفترة المقبلة، في ظل اعتماد مصر على استيراد جانب كبير من احتياجاتها الغذائية.
وأوضحا لـ”مصراوي” أن اقتراب تطبيق منظومة الدعم النقدي اعتبارًا من يناير 2027 يضع الحكومة أمام تحد يتعلق بمدى قدرة قيمة الدعم على مواكبة أسعار السلع وقت التنفيذ، خاصة إذا استمرت الأسعار العالمية في الارتفاع خلال الأشهر المتبقية من العام، محذرين من أن ثبات قيمة الدعم في مواجهة زيادات سريعة في الأسعار قد يؤدي إلى تراجع قوته الشرائية وتحمل المواطن جانبًا من الزيادة.
وبحسب منظمة الأغذية والزراعة “فاو”، ارتفع مؤشر أسعار الغذاء العالمية خلال أغسطس بنسبة 1.9% على أساس شهري و2.5% مقارنة بالعام الماضي، ليسجل أعلى مستوى منذ 2022، مع صعود جميع مجموعات السلع الرئيسية.
وقاد السكر الارتفاع بعدما قفزت أسعاره عالميًا 11.9% خلال أغسطس، بينما ارتفعت أسعار الحبوب 2.2%، وزاد القمح 2.6% خلال الشهر و15% على أساس سنوي، بدعم من اضطرابات صادرات البحر الأسود ومخاوف الإنتاج، كما صعدت أسعار الزيوت النباتية 0.6%.
اقرأ أيضًا: أسعار الغذاء العالمية ترتفع لأعلى مستوى منذ 2022.. السكر يقود الصعود
اضطرابات البحر الأسود تضغط على الغذاء
وتأتي هذه الزيادات بالتزامن مع اضطرابات متزايدة في حركة التجارة العالمية، خاصة في منطقة البحر الأسود، التي تعد من أهم مصادر الحبوب للأسواق الدولية.
وبحسب تقرير لـ”بلومبرج”، أثرت الهجمات المتبادلة بين روسيا وأوكرانيا على السفن التجارية والموانئ في البحر الأسود وبحر آزوف خلال الشهرين الماضيين على صادرات الحبوب من البلدين، ودَفعت أسعار العقود الآجلة للقمح إلى أعلى مستوياتها في 3 سنوات.
ويمثل كل من روسيا وأوكرانيا أكثر من ربع صادرات القمح العالمية، إلى جانب إنتاجهما كميات كبيرة من الشعير والذرة وزيت دوار الشمس، ما يجعل أي اضطراب في حركة التجارة بالمنطقة عاملًا مؤثرًا في أسواق الغذاء العالمية.
وأشار التقرير إلى أن صادرات الحبوب الأوكرانية تراجعت بشكل ملحوظ خلال أغسطس، فيما انخفضت صادرات روسيا من القمح إلى أقل من نصف مستوياتها في الشهر نفسه من العام الماضي، وسط تضرر عدد من الموانئ والمنشآت الرئيسية.
وتتزامن اضطرابات البحر الأسود مع ضغوط أخرى على أسواق الغذاء، من بينها صعوبة تدفقات الأسمدة ومدخلات الإنتاج الزراعي نتيجة اضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، إلى جانب موجات الحرارة التي أضرت بالمحاصيل في أجزاء من أوروبا ومخاطر تأثر الإنتاج الزراعي عالميًا مع عودة ظاهرة “النينيو”.
وأوضح تقرير “بلومبرج” أن أسعار السلع الغذائية المتداولة عالميًا تقترب حاليًا من أعلى مستوياتها منذ 2023، وإن كانت لا تزال دون المستويات القياسية التي سجلتها عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في 2022، مشيرًا إلى أن استمرار اضطرابات الإمدادات قد يزيد الضغوط على الأسعار العالمية.
ونقل التقرير عن محلل الحبوب والبذور الزيتية في شركة “كيبلر”، مات داراج، قوله إن قمح البحر الأسود عادة ما يكون من أرخص مصادر القمح في الأسواق العالمية، وبالتالي فإن استمرار تعطل الإمدادات قد يدفع المشترين إلى تقليص وارداتهم أو تحمل أسعار أعلى، وهو ما قد يزيد الضغوط التضخمية على الغذاء عالميًا.
كيف تنعكس الزيادات العالمية على مصر؟
قال الدكتور خالد الشافعي، الخبير الاقتصادي ورئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية، إن الأسواق العالمية تواجه اضطرابات متزايدة في سلاسل إمداد الغذاء نتيجة التوترات الجيوسياسية في منطقة البحر الأسود واستمرار النزاعات الإقليمية، وهو ما دفع أسعار عدد من السلع الأساسية إلى الارتفاع بنسب تتراوح بين 15% و25% خلال الأشهر الأخيرة، مع توقعات باستمرار الضغوط حتى نهاية عام 2026.
وأوضح الشافعي أن هذه الارتفاعات تنعكس بشكل مباشر على السوق المصرية، في ظل اعتماد مصر على استيراد نسبة كبيرة من احتياجاتها من السلع الاستراتيجية، مشيرًا إلى أن مصر تستورد نحو 60% من احتياجاتها من القمح، إلى جانب ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري، وهو ما يضغط على أسعار الزيوت واللحوم والحبوب في السوق المحلية.
وأضاف أن استمرار اضطرابات التجارة وارتفاع تكاليف النقل والطاقة ومدخلات الإنتاج الزراعي قد يزيد تكلفة استيراد السلع الغذائية خلال الفترة المقبلة، خاصة في حال استمرار الحرب الإيرانية واضطرابات البحر الأسود.
الدعم النقدي أمام اختبار الأسعار
وتستعد الحكومة لتطبيق منظومة الدعم النقدي اعتبارًا من يناير 2027، في إطار التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي، على أن يحصل المستفيد على دعم بقيمة 325 جنيهًا للفرد، مع احتساب قيمة السلع وفقًا لأسعارها الحرة في الأسواق.
وأضاف الشافعي أن الحكومة تتجه تدريجيًا إلى الانتقال من منظومة الدعم العيني إلى الدعم النقدي المشروط، بما يمنح المواطن مرونة أكبر في اختيار السلع وفقًا لاحتياجاته الفعلية، مع أهمية مراجعة قيمة الدعم بصورة دورية بما يتناسب مع معدلات التضخم للحفاظ على القوة الشرائية للمستحقين.
وأشار إلى أن تحديد قيمة الدعم النقدي لا ينبغي أن يكون بمعزل عن تطورات أسعار السلع، خاصة مع احتمالات حدوث قفزات مفاجئة في أسعار الغذاء عالميًا أو ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين.
وعن تحمل تكلفة ارتفاع الأسعار، قال الشافعي إن الدولة ستتحمل جانبًا من الأعباء من خلال مخصصات الدعم، بينما قد يتحمل المواطن جزءًا من الزيادة إذا ارتفعت الأسعار بصورة أسرع من وتيرة مراجعة قيمة الدعم النقدي.
وأوضح أن آلية تحديث قيمة الدعم ستكون عاملًا رئيسيًا في الحفاظ على القوة الشرائية للمستحقين، خاصة في ظل احتمال تغير مستويات الأسعار بين الفترة التي تحدد فيها قيمة الدعم وموعد بدء تطبيق المنظومة.
هل تكفي 325 جنيهًا لمواجهة ارتفاع الأسعار؟
حذر الدكتور وائل النحاس، الخبير الاقتصادي، من أن تطبيق منظومة الدعم النقدي اعتبارًا من يناير المقبل يأتي في توقيت حساس، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الغذاء عالميًا واستمرار تداعيات الحرب، مشيرًا إلى أهمية أن تواكب قيمة الدعم تطورات الأسعار حتى لا تتراجع قدرته الشرائية وتزداد الأعباء على المواطنين.
وقال النحاس إن ارتفاع أسعار الغذاء العالمية يستحق المتابعة خلال الفترة المقبلة، في ظل تأثير الحرب والتغيرات المناخية على أسواق الغذاء، لافتًا إلى أن اضطراب حركة التجارة لا يقتصر على مضيق هرمز، وإنما يمتد إلى البحر الأسود، بما قد يؤثر على إمدادات عدد من السلع الأساسية، خاصة القمح والذرة والزيوت.
وأوضح أن استمرار الحرب لفترة أطول قد يزيد الضغوط على أسواق الغذاء، خاصة مع استنفاد جزء من المخزونات الحالية خلال الشهرين أو الثلاثة المقبلة، وما قد يترتب على ذلك من الحاجة إلى استيراد كميات جديدة بأسعار أعلى، بالتزامن مع اتجاه بعض الدول لتأمين احتياجاتها لفترة الشتاء.
وأشار النحاس إلى أن هذه التطورات قد تنعكس على أسعار عدد من السلع الأساسية، لافتًا إلى ارتفاع أسعار السكر عالميًا، إلى جانب الضغوط على الدقيق والقمح والزيوت والسمن، وهو ما قد يرفع تكلفة الغذاء في السوق المصرية ويؤثر على القوة الشرائية للمواطن.
وربط النحاس بين هذه التطورات وقرار الحكومة تطبيق منظومة الدعم النقدي اعتبارًا من يناير المقبل، متسائلًا عما إذا كانت قيمة الدعم التي يجري إعدادها حاليًا ستظل مناسبة عند بدء التنفيذ، في ظل احتمالات تغير مستويات الأسعار خلال الأشهر المقبلة.
وقال إن ارتفاع الأسعار بنسب قد تصل إلى 20% أو 30% بحلول موعد التطبيق قد يعني أن المواطن سيحصل على الدعم النقدي، لكن قيمته الشرائية ستكون أقل من التقديرات التي بنيت عليها المنظومة قبل عدة أشهر.
وأضاف أن المواطن قد يجد نفسه أمام فجوة بين قيمة الدعم النقدي التي يحصل عليها وبين تكلفة السلع التي يحتاج إليها، خاصة إذا ارتفعت أسعار السلع الأساسية بشكل أسرع من الزيادة في قيمة الدعم، وهو ما يطرح تساؤلًا حول مدى قدرة المنظومة على مواكبة تحركات الأسعار وقت التنفيذ.
الوقود يضيف ضغوطًا جديدة على الأسعار
ولا تقتصر الضغوط المحتملة على أسعار الغذاء العالمية، إذ تتزامن مع ارتفاع أسعار النفط وتكاليف الطاقة والنقل، بما قد ينعكس على تكلفة السلع داخل السوق المحلية.
وفي السياق نفسه، تفترض مؤسسة “فيتش سوليوشنز”، عبر خدمتها البحثية “BMI”، في سيناريوها الأساسي أن ترفع مصر أسعار الوقود خلال شهر سبتمبر، مع تأجيل الزيادة المقررة بنسبة 15% في الإيجارات القديمة.
وترى المؤسسة أنه إذا كان سعر خام برنت عند اتخاذ قرار الحكومة بشأن أسعار البنزين والسولار أقرب إلى مستوى استرداد التكلفة الذي تقدره بنحو 70 دولارًا للبرميل منه إلى 80 دولارًا، فقد تبقي الحكومة أسعار الوقود دون تغيير.
لكن مع تداول خام برنت حاليًا قرب 100 دولار للبرميل، رجحت “فيتش” أن يتجه صناع السياسات إلى تنفيذ تعديل واحد فقط، إما زيادة أسعار الوقود أو تطبيق زيادة الإيجارات القديمة بنسبة 15%، متوقعة أن يكون رفع أسعار الوقود هو الخيار الأرجح.
وأرجعت المؤسسة ذلك إلى أن الأهداف المالية للسنة المالية 2026/2027، التي بدأت في يوليو الماضي وتنتهي في يونيو 2027، تفترض خفضًا حادًا في الإنفاق على دعم الوقود.
وتشير هذه التقديرات إلى أن استمرار النفط عند مستويات مرتفعة لا يمثل ضغطًا على تكلفة الاستيراد فقط، وإنما يضع الموازنة أمام فاتورة إضافية، بالتزامن مع ضغوط سعر الصرف واحتمالات انعكاس أي زيادة في الوقود على معدلات التضخم والأسعار المحلية.
اقرأ أيضًا: بعد صعوده لـ100 دولار.. كم تتكلف الدولة مقابل زيادة النفط؟
صادرات الحبوب تحت ضغط الحرب
وفي السياق نفسه، حذرت صحيفة “نيويورك تايمز” من أن استمرار الهجمات الروسية والأوكرانية على الموانئ والسفن في البحر الأسود يهدد بتقليص إمدادات الحبوب العالمية، مع تراجع صادرات البلدين، اللذين يعدان من كبار مصدري الحبوب في الأسواق الدولية.
وأشارت الصحيفة إلى أن أوكرانيا صدرت نحو 500 ألف طن متري فقط من الحبوب خلال الفترة من 1 إلى 18 أغسطس، بما يعادل نحو 20% من مستوياتها المعتادة عندما تعمل الموانئ بكامل طاقتها، بينما بلغت صادرات روسيا نحو 1.4 مليون طن خلال الفترة من 1 إلى 20 أغسطس، بأقل من نصف مستوياتها خلال الفترة نفسها من العام الماضي، وفق بيانات اتحاد الحبوب الروسي.
وأوضحت “نيويورك تايمز” أن البلدين يحاولان استخدام طرق بديلة لتصدير الحبوب، من بينها النقل البري والسكك الحديدية وموانئ نهر الدانوب، إلا أن هذه البدائل لا تتمتع بالقدرة نفسها التي توفرها موانئ البحر الأسود، فيما تواجه حركة الملاحة عبر الدانوب أيضًا قيودًا بسبب انخفاض منسوب المياه نتيجة الجفاف.
ولفتت الصحيفة إلى أن اضطراب صادرات البلدين قد يضيف ضغوطًا جديدة على إمدادات الغذاء، خاصة مع تزامن ذلك مع ارتفاع تكاليف الأسمدة والطاقة واضطرابات طرق التجارة.
وبالنسبة لمصر، قد يمثل ارتفاع تكلفة الحبوب ومدخلات الإنتاج عالميًا ضغطًا إضافيًا على تكلفة استيراد الغذاء، وهو ما يكتسب أهمية خاصة مع اقتراب تطبيق منظومة الدعم النقدي في يناير المقبل.
ومع استمرار حالة عدم اليقين بشأن أسعار الغذاء خلال الأشهر المقبلة، سيبقى تحديد قيمة الدعم النقدي ومراجعتها وفقًا لتطورات الأسعار أحد العوامل الرئيسية في تحديد مدى قدرة المنظومة الجديدة على الحفاظ على القوة الشرائية للمواطن، أو اضطراره إلى تحمل جانب من أي زيادات إضافية في تكلفة السلع.
اقرأ أيضًا: من الصعود إلى التراجع.. لماذا تتذبذب أسعار الذهب وما العوامل المؤثرة في تحركاته؟
المصدر:
رابط المصدر الأصلي



