اقتصاد

لماذا تسحب أوروبا ذهبها من الولايات المتحدة؟

تتحرك البنوك المركزية الأوروبية لإعادة توزيع جزء من احتياطياتها الذهبية بعيدًا عن الولايات المتحدة، فقد نقل البنك المركزي الهولندي مؤخرًا نحو 86 طنًا من الذهب من إجمالي 313 طنًا محفوظة بالولايات المتحدة وكندا إلى خزائن بنك إنجلترا، مبررًا الخطوة بتصاعد الاضطرابات الجيوسياسية والحاجة إلى إتاحة الذهب بصورة أسرع وقت الأزمات، وفق “بي بي سي”.

ولا تعد الخطوة الهولندية الأولى؛ إذ سبقتها فرنسا في يناير 2026 بسحب كامل احتياطيها المتبقي في نيويورك، بينما نقل البنك المركزي الألماني أكثر من 216 طنًا من الخارج بين عامي 2013 و2016، منها 111 طنًا من نيويورك و105 أطنان من باريس، وفق ما نقلته “بي بي سي”.

هولندا.. 612.4 طنًا من الذهب وإعادة رسم الخريطة

حسب بيانات “فايننشال تايمز”، بلغ احتياطي الذهب الهولندي 612.4 طنًا بقيمة 72.2 مليار يورو بنهاية 2025، وبعد عملية نقل استمرت بين مارس وأغسطس 2026، تراجعت حصة نيويورك من الاحتياطي من 31.3% إلى 18.5%، وأوتاوا من 19.7% إلى 18.5%، بينما قفزت حصة لندن من 18.1% إلى 32.1%، لتصبح أكبر موقع خارجي للذهب الهولندي، في حين يحتفظ البنك بـ30.8% داخل هولندا في مركز النقد بمدينة زيست، وفق المصدر نفسه.

هل هي أزمة ثقة في واشنطن؟

قالت إيما شورتيس مديرة الشؤون الدولية والأمنية في معهد أستراليا، إن الاحتفاظ بالاحتياطيات داخل الولايات المتحدة يمكن أن يمثل نقطة ضعف محتملة، خصوصًا مع سياسات إدارة دونالد ترامب تجاه حلفاء تقليديين مثل كندا وغرينلاند، وفق “إيه بي سي نيوز أستراليا”.

في المقابل، يرى بنجامين بيكتون كبير الإستراتيجيين في بنك رابوبانك، أن البنوك المركزية أصبحت أقل ميلًا للاحتفاظ بأصولها لدى جهات أجنبية بسبب مخاطر الطرف المقابل، بينما يتمتع الذهب بميزة أنه أصل “بلا طرف مقابل”، حسب “إيه بي سي نيوز أستراليا”.

أما أدريان آش مدير الأبحاث في منصة بوليون فولت، فاعتبر أنه من الصعب استبعاد البعد السياسي، مشيرًا إلى موجة بين 2022 و2024 أعادت خلالها بنوك مركزية غير غربية ذهبها من بنك إنجلترا، وسط مخاوف من العقوبات الغربية على روسيا وقضية فنزويلا، لكنه رأى أن التوزيع الهولندي بين الداخل وأمريكا الشمالية ولندن أقرب إلى تنويع للمخاطر منه إلى تصعيد سياسي، وفق “نيوزويك”.

ألمانيا.. 1236 طنًا في نيويورك

تمتلك ألمانيا نحو 3352 طنًا من الذهب، بينها نحو 1,236 طنًا في نيويورك، بما يعادل قرابة 37% من إجمالي احتياطياتها.

وأثار وجود هذه الكمية في الولايات المتحدة جدلًا سياسيًا داخل ألمانيا؛ إذ حذر النائب الأوروبي ماركوس فيربر من تقلب المواقف الأمريكية، بينما دعت النائبة الخضراء كاتارينا بيك إلى عدم تحويل الذهب الألماني إلى ورقة ضغط جيوسياسية، ورأت ماري-أنييس شتراك-تسيمرمان أن غياب السيطرة المادية الكاملة على الذهب في نيويورك يمثل خطرًا متزايدًا، وفق “نيويورك بوست”.

لكن رئيس البنك المركزي الألماني “بوندسبنك” يواخيم ناجل، رفض هذه المخاوف، ذاكرًا ثقته في سلامة الذهب الألماني لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، ومعتبرًا أن الولايات المتحدة ستكون الخاسر الأكبر إذا شككت الأسواق في الوضع القانوني لهذه الاحتياطيات، ورغم الجدل، لم تسحب ألمانيا ذهبها من نيويورك حتى الآن، وفق “نيويورك بوست”

فرنسا.. 129 طنًا خرجت من نيويورك

كانت فرنسا أكثر حسمًا؛ فبين يوليو 2025 ويناير 2026، باع البنك المركزي الفرنسي كامل الذهب المتبقي له في نيويورك، بنحو 129 طنًا، أي قرابة 5% من احتياطيه.

ووفق “راديو فرنسا الدولي”، بررت باريس القرار بأسباب فنية، إذ لم تعد تلك السبائك تستوفي معيار النقاء الدولي البالغ 99.99% المطلوب في سوق لندن للسبائك، ولذلك فضّل البنك بيع الذهب وشراء كمية مماثلة مطابقة للمعايير الحديثة في السوق الأوروبية، لتصبح احتياطيات فرنسا البالغة نحو 2437 طنًا محفوظة بالكامل في باريس.

ولم تكن العملية بلا مكاسب مالية؛ إذ حققت فرنسا أرباحًا رأسمالية استثنائية بلغت نحو 12.8 مليار يورو مع ارتفاع أسعار الذهب، وساهمت في تحقيق البنك المركزي الفرنسي صافي أرباح قدره 8.1 مليار يورو في 2025، مقابل خسارة صافية بلغت 7.7 مليار يورو في 2024، وفق المصدر ذاته.

الذهب.. 1000 طن تشتريها البنوك المركزية سنويًا

يرى جوزيف كافاتوني كبير إستراتيجيي الأسواق في المجلس العالمي للذهب، أن الحروب والتوترات التجارية تؤثر في قرارات البنوك المركزية، لكنها ليست العامل الوحيد؛ فالتضخم وأسعار الفائدة والحاجة إلى الاحتفاظ بالذهب في موقع يمكن تداوله سريعًا كلها عوامل حاضرة، وفق “بي بي سي”.

وحسب تحليل “جولدمان ساكس”، راكمت البنوك المركزية خلال السنوات الأربع الماضية متوسطًا يقارب 1000 طن سنويًا، مقابل متوسط 500 طن سنويًا خلال العقد السابق، في اتجاه بدأ منذ الأزمة المالية العالمية ويتوقع استمراره.

الذهب فوق 5000 دولار ثم إلى 4046 دولارًا

ساعدت الأسعار القياسية على تعزيز جاذبية الذهب؛ إذ تجاوز سعر الأونصة 5000 دولار في يناير 2026، وبلغ ذروة تقارب 5394 دولارًا في فبراير، قبل أن يتراجع إلى نحو 4046 دولارًا في يوليو، وفق بيانات “بي بي سي”.

ويتوقع “جولدمان ساكس” وصول الذهب إلى نحو 4900 دولار للأونصة بنهاية 2026، بزيادة 300 دولار عن مستوى أغسطس، مع استمرار مشتريات البنوك المركزية كأحد أهم محركات السوق.

ورغم عمليات إعادة التوزيع، لا تزال خزائن الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك تحتفظ بأكبر مخزون ذهب في العالم، بنحو 8133 طنًا، فيما تواصل دول عديدة تخزين أجزاء كبيرة من احتياطياتها هناك.

فنزويلا.. عندما يتحول الذهب إلى قضية سيادة

سبق أن اتخذت فنزويلا خطوة أكثر حدة؛ إذ أعاد الرئيس الراحل هوجو تشافيز نحو 160 طنًا من ذهب بلاده المخزن في بنوك أجنبية، بينها مؤسسات في الولايات المتحدة وأوروبا، إلى كاراكاس بحلول يناير 2012، باعتبارها خطوة مرتبطة بالسيادة الوطنية وحماية الثروة من الاضطرابات الاقتصادية العالمية، وفق “نيوزويك”.

لكن نحو 31 طنًا من الذهب الفنزويلي بقيت في خزائن بنك إنجلترا، وفق “ديلي صن” البنجلاديشية، بعدما رفض البنك الإفراج عنها لعدم اعترافه بشرعية حكومة نيكولاس مادورو.

وفي أحدث تطورات الملف، قال جورج رودريجيز رئيس الجمعية الوطنية الفنزويلية، إن الحكومة الجديدة تسعى لاستعادة الذهب واستخدامه في مشروعات الإسكان والصحة والكهرباء وإزالة آثار الزلازل، بينما أفادت “رويترز” بأن إدارة ترامب تسعى إلى توسيع نفوذها الاقتصادي في فنزويلا ليشمل التعدين، بما فيه الذهب، بجانب النفط.


المصدر:

رابط المصدر الأصلي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى