عاجل

سينما الوعظ والإرشاد: كيف صنع حسين صدقي سينما نظيفة قبل عقود؟

images 18

 

في زمنٍ كانت فيه استوديوهات مصر تموج بصخب النجومية وتتنافس على شاشاتها قصص الغرام الكلاسيكية والميلودراما الصارخة، وقف فنانٌ واحد يشق مجراه الخاص بعيداً عن التيار الجارف. لم يكن مجرد وجه وسيم تصبّبت عليه أضواء الشهرة، بل كان صاحب رسالة صاغها بوعيٍ مبكر وعنادٍ نبيل. إنه الفنان الراحل حسين صدقي، الرجل الذي رفع شعار “السينما وعظ وإرشاد”، ليؤسس في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي ما يمكن أن نسميه بـ “السينما النظيفة” أو سينما المبادئ، قبل أن تطرق هذه المصطلحات أبواب النقد الفني بعقود طويلة.

315x420 113ce9f082ab36a5fecbf8b9c1774615873bb9c2ffd54f21ff11471d55591491

ولم يكن حسين صدقي فناناً بالصدفة، بل كان مثقفاً يدرك خطورة الكاميرا وقدرتها على صياغة وعي الشعوب. في الوقت الذي كانت فيه السينما المصرية تبحث عن الترفيه الخالص، كان صدقي يرى في الشاشة الفضية “منبراً” لا يقل أهمية عن منابر الوعظ والتوجيه، حيث آمن بأن الفن الذي لا يخدم قضية، ولا يرفع من شأن الأخلاق، هو فن ناقص. ومن هنا، انطلق ليؤسس شركته الإنتاجية “مصر الحديثة للأفلام”، ليتحرر من قيود المنتجين الذين يبحثون عن شباك التذاكر على حساب القيمة، ويبدأ في نسج خيوط سينما مغايرة تخاطب ضمير المشاهد قبل مشاعره.

ولم تكن سينما حسين صدقي وعظاً جافاً أو خطباً منبرية مكررة، بل كانت تشريحاً ذكياً لواقع المجتمع المصري؛ فمنذ بداياته في فيلم “العزيمة” عام 1939 (الذي يصنفه النقاد كأحد أعظم الأفلام في تاريخ السينما المصرية)، قدم صدقي نموذج الشاب المكافح الذي يواجه الإحباط بالعمل والشرف. وتجلت فلسفته الأخلاقية في أفلام واجهت قضايا شائكة؛ مثل فيلم “الشيخ حسن”، حيث ناقش فيه قضية التسامح الديني والروابط الإنسانية بعمق ووقار، وفيلم “عامل الإنعاش” و”يسقط الاستعمار”، حيث تشابكت في أعماله القضية الاجتماعية بالوطنية، مؤكداً أن الاستقلال الحقيقي يبدأ من استقامة الفرد وصلاح المجتمع.

وتتحدث كواليس العصر الذهبي عن “بروتوكول” خاص كان يفرضه حسين صدقي في مواقع التصوير، فلم يكن يسمح بأي ابتذال، وكان يحرص على أن تسود أجواء من الاحترام الصارم بين العاملين. هذا الالتزام لم يكن قناعاً يرتديه أمام الكاميرا، بل كان أسلوب حياة؛ حيث اشترط في كثير من عقوده ألا تحتوي المشاهد على ما يخدش حياء الأسرة المصرية، وهو ما جعل أفلامه، حتى الرومانسية منها مع قيثارة الغناء **ليلى مراد**، تتسم برقيّ آسر وعاطفة عذرية مغلفة بالاحترام.

image

ولم يكتفِ صدقي بالشاشة، بل حمل هموم ناسه إلى البرلمان عندما انتخب نائباً في الستينيات، مطالباً بقوانين تحمي القيم وتدعم الفن الهادف، وعندما شعر أن المناخ العام لم يعد يستوعب رؤيته، آثر الانسحاب في صمت، تاركاً خلفه وصية أثارت الكثير من الشجن حين طالب بحرق بعض أفلامه التي رأى أنها قد لا تتوافق مع تصوره النهائي للرسالة التي رغب في لقاء ربه بها.

 

 

عن المستشار الاعلامي هيثم زكريا الأصيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *