“المقايضة الكبرى” تعود للواجهة.. كيف رد الخبراء والحكومة على طرح هيكل؟

عاد مقترح “المقايضة الكبرى” لتصفير الدين العام المحلي إلى الواجهة، بعد إعادة المصرفي ورجل الأعمال حسن هيكل طرح الفكرة مجددًا، والتي تقوم على استخدام أصول مملوكة للدولة في تسوية جانب من المديونية المحلية، مع نقل الدين إلى البنك المركزي.
وأثار المقترح موجة من الجدل بين اقتصاديين ومصرفيين وشخصيات عامة، خاصة مع تضمن التصور قناة السويس ضمن الأصول التي يمكن استخدامها في المقايضة، بينما سبق لهيكل طرح الفكرة العام الماضي، وحظيت وقتها بانتقادات واسعة من خبراء ومصرفيين حذروا من تداعيات تحميل البنك المركزي بالدين العام.
علاء مبارك يرفض إدخال قناة السويس في المقايضة
علق علاء مبارك، نجل الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، على مقترح “المقايضة الكبرى”، منتقدًا فكرة نقل ملكية أصول الدولة، ومن بينها قناة السويس، مقابل تسوية الدين العام المحلي.
وقال علاء مبارك، في تدوينة عبر حسابه على منصة “إكس”، إن الحديث عن نقل ملكية شركات عامة وأراضٍ وحتى قناة السويس مقابل تصفير الدين العام المحلي يمثل طرحًا غير مقبول من وجهة نظره.
وأشار إلى أن قناة السويس ليست أصلًا اقتصاديًا عاديًا يمكن التعامل معه ضمن عمليات المقايضة، باعتبارها ممرًا ملاحيًا عالميًا وشريانًا حيويًا ورمزًا للسيادة الوطنية.
وشدد على رفض إدخال القناة في أي عملية مقايضة أو رهن أو ربط ملكيتها بملف الدين العام، مؤكدًا أن قيمتها تتجاوز التعامل معها باعتبارها أصلًا يمكن استخدامه لتسوية ديون محلية.
ويتعلق مقترح هيكل بتوسيع نطاق ما وصفه سابقًا بـ”المقايضة الكبرى”، التي تقوم على مقايضة أصول مملوكة للدولة مقابل مديونيات مستحقة على إحدى الجهات التابعة لها.
ويرى هيكل أن تعميم الفكرة على مستوى الدولة يمكن أن يتم من خلال استبدال أصول مثل الأراضي بملكية الدولة في الشركات العامة، وصولًا إلى أصول استراتيجية مثل قناة السويس، مع نقل الدين إلى البنك المركزي، بما يستهدف تصفير الدين العام المحلي.
مدحت نافع يميز بين مقايضة الأصول والمقترح المطروح
من جانبه، دعا الخبير الاقتصادي مدحت نافع إلى التمييز بين عمليات تسوية المديونيات التاريخية بين الجهات الحكومية وبين المقترحات الرامية إلى تصفير الدين العام بالكامل.
وقال نافع عبر حسابه على “فيسبوك”، إن جهود وزارة التخطيط لتسوية مديونيات تاريخية بين جهات حكومية من خلال تبادل الأصول تختلف عن المقترحات غير الموفقة بشأن تصفير الدين العام.
وأشار إلى أن مبادلة الديون بأسهم وأراض غير مستغلة كانت أداة مؤثرة في معالجة أوضاع عدد من الشركات وتعظيم الاستفادة من الأصول، بما يعني أن استخدام الأصول في تسوية مديونيات محددة ليس جديدًا، لكن تعميم النموذج على الدين العام للدولة يمثل مسألة مختلفة.
الحكومة تحسم موقفها من “المقايضة الكبرى”
وجاء موقف مجلس الوزراء ليضع حدًا للجدل بشأن تبني الحكومة للمقترح، إذ أوضح أن ما يتم تداوله يمثل رؤية شخصية لصاحبها، ولا يعبر عن توجه أو مقترح تتبناه الحكومة.
وقال مجلس الوزراء إن أفكارًا بشأن مقايضة بعض الأصول العامة مقابل المديونية المحلية سبق أن خضعت للدراسة والتقييم من جانب الجهات المعنية، وانتهت إلى عدم ملاءمة تطبيق التصور وعدم إدراجه ضمن السياسات أو الآليات الحكومية لإدارة الدين العام.
وأوضح أن نقل الأصول والمديونيات بين جهات الدولة لا يؤدي في حد ذاته إلى خفض الالتزامات على مستوى الدولة ككل، وأن معالجة الدين تتطلب التعامل مع هيكل المديونية وتكلفة خدمتها والسيولة المحلية وتأثيراتها على السياسة النقدية والمالية.
وشدد مجلس الوزراء على أن قناة السويس ليست محلًا لأي مقترح من هذا النوع، ولا توجد توجهات لمقايضتها أو رهنها أو نقل ملكيتها مقابل مديونيات، مؤكدًا أنها مرفق عام استراتيجي يرتبط بالسيادة والأمن القومي ودورها في الاقتصاد الوطني والتجارة العالمية.
كما أوضح أن تسوية المديونيات التاريخية للهيئة الوطنية للإعلام تجاه بنك الاستثمار القومي تمثل معالجة مالية ومؤسسية لحالة محددة، ولا يمكن اعتبارها نموذجًا عامًا لإدارة الدين العام للدولة.
ماذا قال هيكل عن “المقايضة الكبرى”؟
بدأ الجدل الحالي بعد إعادة حسن هيكل طرح تصوره بشأن “المقايضة الكبرى”، وهو مقترح سبق أن عرضه العام الماضي خلال اجتماع ضم عددًا من رجال الأعمال مع رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي.
ويستند التصور إلى تجربة تسوية مديونية الهيئة الوطنية للإعلام “ماسبيرو” لدى بنك الاستثمار القومي، والتي وصفها هيكل بـ”المقايضة الصغرى”.
وأوضح هيكل وقتها أن النموذج يقوم على مقايضة أصول، معظمها أراض، مع نقل الدين المستحق على الهيئة إلى بنك الاستثمار القومي، بما يعني إجراء مقايضة بين أصول والتزامات لجهتين تابعتين للدولة.
واقترح تعميم الفكرة على مستوى الدولة، بحيث يتم استبدال “ماسبيرو” بالدولة، و”بنك الاستثمار القومي” بالبنك المركزي، بينما يتم استبدال الأراضي بملكية الدولة في الشركات العامة أو أصول أخرى، وصولًا إلى قناة السويس، بهدف تصفير الدين العام المحلي.
وربط هيكل بين خفض الدين وإتاحة مساحة مالية أكبر أمام الدولة للإنفاق على ملفات مثل الدعم والتأمين الصحي الشامل والتعليم، معتبرًا أن تخفيف أعباء خدمة الدين يمكن أن يوجه موارد أكبر إلى احتياجات المواطنين.
ماذا حدث العام الماضي؟
لم يكن طرح “المقايضة الكبرى” جديدًا عند إعادة إثارته مؤخرًا، إذ سبق أن طرح هيكل الفكرة العام الماضي، وأثارت وقتها ردود فعل قوية من خبراء ومصرفيين.
وتناول هيكل الفكرة من خلال عدة تصورات، من بينها تحمل الدولة أعباء الدين وتراكم الفوائد، إلى جانب دور البنوك المركزية في التعامل مع الأزمات، وارتفاع ربحية البنوك التجارية من استثمار أموال المودعين في أدوات الدين الحكومية.
كما ربط بين ارتفاع أسعار الفائدة وتكلفة تمويل الدين، معتبرًا أن استمرار أعباء الفوائد يضغط على موارد الموازنة، ويحد من قدرة الدولة على زيادة الإنفاق في مجالات أخرى.
لكن المقترح واجه وقتها انتقادات واسعة، خاصة بشأن تحميل البنك المركزي بالدين العام، ومدى قدرة هذه الآلية على معالجة الدين بدلًا من نقل الالتزامات من جهة حكومية إلى أخرى.
المقايضة قد تنقل الأزمة إلى الجهاز المصرفي
وعاد مدحت نافع وقتها مع بدء طرح الفكرة العام الماضي إلى التحذير من تحميل البنك المركزي بالدين العام، معتبرًا أن تطبيق “المقايضة الكبرى” قد ينقل أزمة الحكومة إلى الجهاز المصرفي ويؤدي إلى اضطراب في السياسات الاقتصادية.
ورأى أن معالجة الدين تتطلب حلولًا تستهدف هيكل المديونية وتكلفة خدمتها، وليس مجرد نقل الالتزامات بين مؤسسات تابعة للدولة.
الاقتصاد لا يدار بالحلول المفاجئة
وانتقد الخبير الاقتصادي محمد فؤاد المقترح أيضًا، مؤكدًا أن إدارة الاقتصاد لا تقوم على الحلول الوقتية أو المبادرات المفاجئة.
ورأى أن التعامل مع أزمة الدين يتطلب الالتزام بأساسيات الاقتصاد والإدارة الرشيدة، محذرًا من أن تجاوز القواعد الاقتصادية قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة بأدوات مختلفة بدلًا من حلها.
اقرأ أيضًا:
“الرقابة المالية” تناقش خارطة طريق الإفصاح عن الاستدامة مع الاتحاد الأوروبي
ساويرس يدخل على خط الجدل
وشارك رجل الأعمال نجيب ساويرس في النقاش العام الماضي، مشيرًا إلى أن أزمة الدين ترتبط بجانبي الإيرادات وحجم المديونية، في وقت كانت فيه المناقشات تتركز على كيفية خفض أعباء الدين دون تحميل البنك المركزي التزامات إضافية.
وتعود فكرة “المقايضة الكبرى” إلى الواجهة حاليًا في وقت تواصل فيه الحكومة العمل على خفض الدين العام وتكلفة خدمته، بالتوازي مع خطط لتعظيم الاستفادة من أصول الدولة وزيادة مشاركة القطاع الخاص.
وبينما يرى أصحاب طرح المقايضة أن استخدام الأصول يمكن أن يخفف أعباء المديونية ويوفر مساحة مالية للإنفاق، يركز منتقدو الفكرة على أن نقل الأصول أو الدين بين جهات الدولة لا يعني بالضرورة اختفاء الالتزامات من حسابات الدولة ككل، فضلًا عن التداعيات المحتملة على الجهاز المصرفي والأسواق وثقة المستثمرين.
المركز المصري للدراسات الاقتصادية يرفض “المقايضة الكبرى”
وسبق أن أصدر المركز المصري للدراسات الاقتصادية في يناير 2026 دراسة تناول فيها مقترح “المقايضة الكبرى” الذي طرحه حسن هيكل، وانتهى إلى رفض الفكرة باعتبارها غير سليمة من الناحية العلمية والعملية، وأنها قد تحقق أثرًا دفتريًا للدين دون معالجة أصل المشكلة.
وأشار المركز إلى أن مقايضة أصول الدولة بالمديونيات تواجه صعوبة في الوصول إلى تقييم عادل وشفاف للأصول والالتزامات، كما انتقد فكرة إنشاء صندوق جديد وإقحام البنك المركزي في حيازة وإدارة أراضٍ وشركات، بما يخرج عن دوره الأساسي وقد يؤثر على استقلاليته والاستقرار المالي.
كما رأى المركز أن نقل الدين من الحكومة إلى البنك المركزي لا يعني التخلص منه، وإنما يمثل نقلًا محاسبيًا للالتزامات داخل القطاع العام، مع مخاطر إضافية على الجهاز المصرفي وأموال المودعين، فضلًا عن تداعيات محتملة على متطلبات الحوكمة واستقلالية البنك المركزي في إطار برنامج مصر مع صندوق النقد الدولي.
ورفض المركز الاستناد إلى بعض التجارب الدولية لتبرير المقترح، معتبرًا أن ظروف تلك التجارب تختلف عن الحالة المصرية، وأن نقل الأصول والديون دون تنفيذ إصلاحات هيكلية لا يمثل حلًا مستدامًا لأزمة المديونية.
واقترح المركز بدلًا من ذلك توحيد موازنات الجهات والهيئات التابعة للدولة تحت مظلة وزارة المالية، ومعالجة أسباب تراكم الدين من مرحلة اتخاذ قرار الاقتراض، إلى جانب تعظيم العائد من أصول الدولة وتوجيه عوائدها لسداد المديونية، بدلًا من نقل أعباء الدين إلى القطاع المصرفي.
اقرأ أيضًا:
الصين ومصر.. 70 عامًا من العلاقات و20.7 مليار دولار حجم التجارة خلال 2025
المصدر:
رابط المصدر الأصلي



