في تظاهرة ثقافية وأدبية رفيعة المستوى جسدت عمق الحراك الفكري في جنوب الصعيد، احتضنت قاعة الأديب والشاعر الراحل سعد عبد الرحمن بقصر ثقافة أسيوط، ندوة نقدية حاشدة نظمها نادي أدب أسيوط لمناقشة رواية “الهجانة” للأديب الكبير أيمن رجب طاهر. الندوة لم تكن مجرد قراءة في كتاب، بل تحولت إلى منصة فكرية استدعت التاريخ من مرقده لتمتزج فيها شهادات الإنسانية بمرارة الحرب، وتسلط الضوء على تضحيات منسية طواها الزمن في غياهب الحرب العالمية الأولى.
وجاء اللقاء برعاية الهيئة العامة لقصور الثقافة برئاسة الفنان هشام عطوة، وفي إطار استراتيجية إقليم وسط الصعيد الثقافي لدعم وتنمية الوعي الفكري والإنتاج الإبداعي الجاد، وسط حضور نخبوي لافت من قامات الفكر، والأدب، والشعراء، وصناع المسرح بأسيوط والصعيد.
تشريح السرد وهندسة المعنى في الفضاء الروائي
وأدارت دفة الحوار باقتدار الأديبة الدكتورة فاطمة الشريف، التي وضعت محاور النقاش وفككت أبعاد الرواية (الصادرة عن دار كيان للنشر والتوزيع)، مستعرضةً كيف استطاع الكاتب ببراعة المزج بين التوثيق التاريخي الصارم والبعد الإنساني لملحمة “الهجانة المصريين” الذين جُنِّدوا قسراً للعمل مع الجيش البريطاني.
وشهدت الندوة تقديم دراسات نقدية بالغة الأهمية؛ حيث أكد الدكتور أحمد مصطفى علي في دراسته، أن رواية “الهجانة” تمثل تجربة سردية ثرية جمعت بين تماسك البناء الفني وعمق الطرح الفكري، لافتاً إلى نجاح الكاتب في صياغة لغة واعية وشخصيات مرسومة بدقة تثير أسئلة وطنية وإنسانية ملحة تدفع القارئ لإعادة تأمل الواقع.
ومن جانبها، قدمت الأديبة الدكتورة هند محسن دراسة طموحة بعنوان “هندسة المعنى في فضاء الاختلاف.. سؤال الكينونة في مزايا السرد”، أوضحت خلالها أن الرواية لا تكتفي بسرد الحكايات، بل تؤسس لخطاب أدبي رصين يثير أسئلة الهوية والوجود والانتماء، معتبرةً إياها نموذجاً يمتلك دلالات متنوعة تجعله جديراً بالبحث والتدريس النقدي.
“الهجانة” على خشبة المسرح.. رؤية بصرية تلامس الوجدان
ولم تخلُ الندوة من الرؤية الإخراجية؛ حيث أثرى المخرج المسرحي الكبير أسامة عبد الرؤوف المناقشة بتحليل فني أكد فيه أن النص الروائي لـ”الهجانة” يفيض بالمقومات البصرية والصراعات الدرامية المتصاعدة التي تجعل منه عرضاً مسرحياً متكاملاً. وأشار إلى أن مشاهد الرواية غنية بالحركة والإيقاع الحي، مما يسهل ترجمتها على خشبة المسرح لتجسيد تضحيات هؤلاء الأبطال أمام الجمهور ومس وجدانهم بصورة مباشرة.
وشهدت الأمسية نقاشاً مفتوحاً ومداخلات ثرية من الحضور الكثيف الذي تقدمه الأديب المسرحي نعيم الأسيوطي (الأمين العام لاتحاد كتاب مصر لقطاع الصعيد)، والشاعر رأفت عزمي، والدكتورة وئام عصام، والشاعرة ماجدة حسانين، والدكتور محمود فرغلي، والمخرجون هاني محمد، وضياء المطيري، وباقة من جيل الشباب والمبدعين، ليعلن الجميع في ختام اللقاء أن “الهجانة” وثيقة أدبية وتاريخية تعيد الاعتبار لصفحات مجيدة من التاريخ المصري.
ضي النهار