لغز “صخرة العصيدة”.. حكاية التحدي الغامض في قلب صحراء الفرافرة – فيديو

في قلب الصحراء البيضاء، وعلى أحد المسارات القديمة التي ربطت الفرافرة بالواحات البحرية، تقف صخرة ملساء مستديرة تبدو تكوينًا طبيعيًا صنعته عوامل الزمن، لكنها في ذاكرة أهل الفرافرة تحمل اسمًا وحكاية وطقسًا اجتماعيًا ظل يتردد بين الرحالة وأبناء الواحة لسنوات طويلة.
صخرة العصيدة
إنها “صخرة العصيدة”، التي تحولت من علامة على طريق الفرافرة إلى مسرح لتحديات القوة والسرعة، وارتبط اسمها بأكلة شعبية شهيرة في المنطقة، لتجمع بين الجغرافيا والطعام والرحلات القديمة ومرح المسافرين.
وقال الدكتور محمد جبريل، خبير بيئي ومسئول بمحمية الصحراء البيضاء وخبير تراث الفرافرة وأحد أبناء واحة الفرافرة، في حديث خاص لـ”مصراوي”، إن صخرة العصيدة كانت إحدى النقاط التي يمر بها الرحالة والمتنقلون بين الفرافرة والواحات البحرية، خصوصًا من كانوا يسلكون طريق الفرافرة القديم شمالًا.
وأضاف أن الصخرة كانت علامة في الطريق ومحطة يتوقف عندها البعض للراحة أو السمر أو اختبار المهارة قبل مواصلة الرحلة.
من شكل الصخرة إلى اسم الأكلة
بحسب جبريل، جاء اسم صخرة العصيدة من تشابه شكلها مع أكلة العصيدة المعروفة في الفرافرة؛ فالصخرة بيضاء، ناعمة السطح، ومستديرة بصورة تقارب نصف الكرة، وهو الشكل نفسه تقريبًا الذي تأخذه العصيدة بعد إعدادها وتشكيلها، لذلك أطلق عليها أهل الفرافرة الاسم الذي ظل ملازمًا لها.
وأوضح أن العصيدة تُعد من الدقيق والماء والزيت ومكونات بسيطة، وتُطهى فوق النار أو الحطب مع التقليب حتى تصل إلى القوام المعروف لدى سكان الواحة.
وبعد ذلك قد يضاف إليها البصل أو الجزء الزهري الحديث من نبات البصل، المعروف محليًا بتسميات بينها «القنار» أو «الشمراخ»، بعد تحضيره في الزيت.
ولم تكن العصيدة تؤكل وحدها، إذ ارتبطت بأكلة تسمى «البردية»، وتُحضّر من الطماطم البلدية القديمة والفلفل الحار والليمون والماء.
وكان بعض أهل الفرافرة يغمسون العصيدة في هذا الخليط، لتصبح من الأكلات المحببة لديهم.
الفرافرة والواحات البحرية
تكشف رواية صخرة العصيدة جانبًا من طبيعة السفر قديمًا بين الفرافرة والواحات البحرية، حين لم تكن الرحلة مجرد انتقال، بل تجربة طويلة تتخللها محطات للراحة والشاي والسمر واللعب.
وعلى طريق الفرافرة، تحولت بعض التكوينات الطبيعية إلى علامات للمسافرين، بينما صنعت الحكايات المحلية لكل نقطة اسمًا وذاكرة خاصة.
ويؤكد جبريل أن المسافرين كانوا يمرون بالمكان في رحلات الصيد، وجمع البلح من الوديان، وزيارة الواحات البحرية، والتوجه إلى العين الخضراء، أو تفقد الإبل في الوديان.
وأثناء تلك الرحلات كانت صخرة العصيدة تمنحهم فرصة للتوقف، ثم تبدأ المنافسة التي جعلتها مرتبطة بحكايات أهل الفرافرة.
وتنسجم الرواية مع طبيعة الصحراء البيضاء، التي تقع في نطاق الفرافرة بالصحراء الغربية، وتشتهر بتكويناتها الجيرية والطباشيرية البيضاء التي نحتتها الرياح في أشكال متنوعة.
ويصف جهاز شؤون البيئة المصري المنطقة بأنها محمية مناظر طبيعية ذات أرضية من الطباشير الأبيض وتكوينات جيولوجية بارزة.
الصخرة تتحول إلى اختبار للمهارة
بمرور الوقت، لم تعد صخرة العصيدة مجرد علامة على طريق الفرافرة، بل تحولت إلى تحدٍّ.
ويقول عبد الله علي، خبير تراث الفرافرة وأحد جامعي تاريخ واحة الفرافرة، إن سطحها شديد النعومة والانحدار، وإن شكلها المستدير يجعل الوصول إلى أعلاها صعبًا، خصوصًا من دون استخدام اليدين في التوازن أو التشبث.
ومن هنا ظهرت لعبة تقوم على محاولة صعود الصخرة بأسرع وقت، وكان المشاركون يتنافسون على إظهار قدرتهم على الجري والثبات فوق السطح الأملس، في مشهد يجمع الترفيه واللياقة والمهارة.
ولم يكن الأمر، بحسب جبريل، «مقياسًا للرجولة»، بل نوعًا من التحدي والمرح الذي اعتاد أهل الفرافرة ممارسته أثناء السفر.
وأشار إلى أن مفهوم الرجولة محليًا أوسع من القوة البدنية، موضحًا أن «الكلمة» والالتزام بها كانا يحظيان بمكانة كبيرة، بينما ظل صعود صخرة العصيدة لعبة تختبر الجرأة والسرعة والقدرة الجسدية.
رجل يصعد ويداه خلف ظهره
أبرز ما بقي في الذاكرة قصة رجل من عائلة خليفة، أو «أبو خليفة» وفق اختلاف الرواية الشفوية الواردة في الحديث، اشتهر بأنه الوحيد القادر على تنفيذ التحدي بطريقة بدت شبه مستحيلة.
ويقول عبد الله إن الرجل كان يندفع جريًا من مسافة بعيدة، ثم يواصل الصعود بقوة اندفاعه، والأصعب أنه كان يضع يديه خلف ظهره طوال المحاولة، فلا يلمس الصخر بكفيه ولا يستعين بذراعيه للتوازن.
ومع نعومة الصخرة وانحدارها، كان الوصول إلى أعلاها يحتاج عادة إلى استخدام اليدين، لذلك رسخت مهارته في ذاكرة أهل الفرافرة، وصارت قصته جزءًا من الحكاية المتوارثة عن المكان.
ويضيف عبد الله أن اسم الرجل لم يعد حاضرًا لديه بصورة مؤكدة وقت الحديث، لكنه أشار إلى أن الاسم مدون في أوراقه، بينما بقيت تفاصيل الحركة واضحة: انطلاقة سريعة، ويدان خلف الظهر، وصعود مباشر فوق الصخرة الملساء.
وتكشف هذه التفاصيل طبيعة الرواية الشفوية التي قد تحفظ المشهد أكثر مما تحفظ اسم صاحبه.
أضاف عبد الله أن وراء حكاية صخرة العصيدة صورة أوسع لحياة المسافرين قديمًا، فالطريق بين الفرافرة والواحات البحرية كان يحمل لحظات راحة وتواصل بينهم.
ويقول إن المسافرين كانوا يجلسون أحيانًا لشرب الشاي، ويتبادلون الحديث، ويبتكرون ألعابًا وتحديات تخفف مشقة الطريق.
ومن هنا يمكن فهم لماذا تحولت صخرة في الصحراء البيضاء إلى جزء من الذاكرة المحلية؛ فالمكان لم يكتسب قيمته من شكله وحده، بل من الاستخدام الإنساني والقصص التي رواها أهل الفرافرة، لتصبح الصخرة علامة تجمع بين الجغرافيا والتراث غير المكتوب.
لا تقدم صخرة العصيدة أثرًا معماريًا أو نقشًا تاريخيًا، لكنها تحمل نوعًا آخر من التراث؛ تراث الحكاية الشعبية المرتبطة بالمكان.
فمن تشابهها مع أكلة العصيدة، إلى توقف أهل الفرافرة عندها، ثم منافسات الصعود وقصة الرجل الذي كان يركض نحوها ويداه خلف ظهره، تشكلت سيرة محلية لصخرة لم تكن تحتاج إلى لافتة كي يعرفها المسافرون.
واليوم، وسط شهرة الصحراء البيضاء بتكويناتها النادرة، تظل صخرة العصيدة واحدة من التفاصيل التي تكشف كيف يمنح الإنسان للمكان معنى إضافيًا.
فهي نقطة على طريق الفرافرة، وذكرى من رحلات الواحات البحرية، وحكاية من حكايات أهل الفرافرة، واسم مستمد من مطبخ الواحة، ومشهد يختصر زمنًا كانت فيه الرحلة فرصة للسمر والتنافس وصناعة القصص.
اقرأ أيضًا:
“خنادق وجماجم وممرات مجهولة”.. ماذا يُخفي نبع “عين خضرا” بالفرافرة؟ – صور
المصدر:
رابط المصدر الأصلي



