في عتمة القاعة قبل الموعد الحاسم، بدت تماثيل الملوك والآلهة وكأنها تتأمل العمال بعيونها الجرانيتية الشاخصة، صمت مهيب يلف المكان، لا يقطعه سوى أنفاس متلاحقة لرجال أُلقيت على عواتقهم مسؤولية تاريخية أثقل من الصخر ذاته.
هنا، داخل قاعة خبيئة معبد الأقصر بمتحف الأقصر للفن المصري القديم، لم يكن الأمر مجرد نقل أحجار، بل كان عبوراً بقطع فريدة صمدت لآلاف السنين تحت الأرض، لتخرج اليوم في ثوب جديد.
أمام هذا التحدي، كان هناك رجل يقف بثبات الملوك أنفسهم، يقود معركته الخاصة لحماية إرث البشرية؛ إنه الريس “محمود فاروق”، كبير العمال والمسؤول الأول عن حركة هذه الكنوز.
كيف تحرك تمثالاً عمره آلاف السنين؟
تحريك تمثال فرعوني ليس مجرد عمل عضلي، بل هو طقس شبيه بجراحة دقيقة في القلب، ففي تلك الساعات الممتدة، تحبست الأنفاس وصار الخطأ يعني ضياع جزء من التاريخ لا يمكن تعويضه.
التعامل مع 26 قطعة أثرية نادرة، تنتمي لخبيئة معبد الأقصر الشهيرة المكتشفة عام 1989، تطلب “دقة متناهية” تقترب من المعجزة، فكل حركة كانت محسوبة بالمليمتر، وكل رفعة تخضع لحسابات معقدة تتعلق بمركز ثقل التمثال ونوعية حجر النحت، سواء كان جرانيتاً صلباً أو حجر جيري يحتاج لعناية فائقة.
العمال تحركوا بأصابع تشبه الحرير، يلفون الأجساد الملكية بوسائل تأمين خاصة تم إعدادها وتصميمها مسبقاً لحماية الأسطح الأثرية من أي احتكاك قد يترك أثراً.
الخطة السرية للتأمين والتحريك
في جولة خاصة لـ «مصراوي» داخل القاعة المطورة التي افتتحها شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، روى الريس محمود فاروق كواليس تلك الملحمة قائلاً: “نقل هذه القطع استغرق منا وقتاً وجهداً لا يمكن لوصفه أن ينصفه. كنا نعمل وفق خطة دقيقة للغاية وضعت بالتعاون مع المرممين والأثريين، واستخدمنا وسائل تأمين ميكانيكية ويدوية خاصة لضمان سلامة التماثيل أثناء الحركة والتركيب داخل الفتارين الجديدة”.
وأضاف فاروق وعيناه تلمعان بالفخر وهو يستعرض التماثيل: “العملية انتهت بنجاح كامل بنسبة 100%، ودون حدوث خدش واحد أو تلف لأي قطعة أثرية”.
واصطحب كبير العمال مراسلنا ليشرح دلالات التماثيل الفنية والتاريخية، وكيف يعكس هذا العرض الحديث (الذي يضم ملوكاً كباراً مثل أمنحتب الثالث وآلهة كالإلهة حتحور والإله آمون) تطور فن النحت المصري القديم، ليتكامل المشهد مع مفاجأة المتحف الكبرى وهي عرض “سدة أختام مقبرة توت عنخ آمون” لأول مرة.
براعة الأجداد في النحت وأمانة الأحفاد في الحفظ
يتجلى في هذا الإنجاز رابط خفي ومقدس؛ فبينما وقف النحات المصري القديم قبل آلاف السنين يطوع الصخر الصلب بإزميله ليصنع تفاصيل مذهلة تبهر العالم حتى اليوم، وقف الحفيد “الريس محمود” وفريقه المعاصر بذات الروح والصبر ليتسلموا الأمانة.
إنها عبقرية مصرية ممتدة؛ فاليد التي نحتت تقابلها اليوم اليد التي تحمي، والروح التي أبدعت تلتقي بالروح التي ترفض أن يمس هذا الإبداع أي سوء، لتثبت منظومة العمل داخل المتحف أنها تعمل بروح الفريق الواحد من أجل تقديم التاريخ بصورة تليق بعظمة الأجداد.
بصمة إصبع خلف كل تمثال
افتتحت قاعة خبيئة معبد الأقصر أبوابها رسمياً أمام السائحين والمواطنين، لتبهرهم بمنظومة إضاءة حديثة وسيناريو متحفي متطور يبرز جمال 26 قطعة أثرية فريدة.
وبينما يتأمل الزوار بريق الكوارتزيت والجرانيت، ويسيرون مبهورين بين ملوك وآلهة الفراعنة، تظل هناك حكاية خفية لا ترويها لافتات الشرح؛ حكاية تُجسد عرق جبين العامل المصري المخلص، ممثلاً في “الريس محمود فاروق” ورجاله، الذين سهروا الليالي لتبقى هذه الكنوز شامخة وكاملة دون خدش واحد.
المصدر: اضغط هنا
ضى النهار جريدة ضى النهار قلم حر .. بدون قيود