هل ينجح الاقتصاد المصري في اختبار ما بعد صندوق النقد؟

يرى خبراء تحدثوا لـ مصراوي أن التحدي أمام الاقتصاد المصري بعد صندوق النقد يتمثل في بناء اقتصاد يستطيع تمويل نموه من إنتاجه وصادراته، لا من الاقتراض والتدفقات الاستثنائية وحدهما.
وتستهدف الحكومة نموًا بنسبة 5.4% خلال العام المالي 2026/2027، وترفع سقف مشاركة القطاع الخاص إلى نحو 59% من الاستثمارات المخططة، ولكن تظل فوائد الدين واحتياجات إعادة التمويل والضغوط على النقد الأجنبي اختبارات حقيقية لقدرة هذا النمو على الاستمرار.
ولا ينتهي اختبار الاقتصاد المصري بانتهاء برنامجه مع صندوق النقد الدولي، فهل تستطيع الدولة تحويل الاستقرار النقدي والمالي إلى نمو مستدام أم ستظل بحاجة إلى تدفقات استثنائية وصفقات كبرى واقتراض جديد كلما تعرضت لضغوط التمويل؟
ووفق ما أعلنه مجلس الوزراء في 6 أكتوبر الحالي، من المقرر عرض برنامج التحول الاقتصادي الوطني ضمن جلسات منتدى مصر 2026، المقرر انعقاده بين 19 و24 أكتوبر الحالي، بالتوازي مع مناقشة إدارة الدين وتنويع موارد النقد الأجنبي.
روشتة معيط للإنقاذ الاقتصادي: 4 خطوات للتحول من التمويل للإنتاج
النمو وحده لا يكفي
تقدم المؤشرات الاقتصادية صورة عن تعافٍ نسبي، لكنها لا تحسم ما إذا كان الاقتصاد قد غيّر طريقة نموه، فقد ذكر صندوق النقد الدولي في تقرير المراجعة السابعة، الصادر في 30 يوليو 2026، أن نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بلغ 5% في الربع الثالث من السنة المالية 2025/2026، و5.2% خلال الأشهر التسعة الأولى منها، وعزا الصندوق جانبًا من المرونة إلى السياحة والتحويلات والتعافي التدريجي لإيرادات قناة السويس، لكنه حذر في الوقت نفسه من استمرار ارتفاع الدين واحتياجات التمويل وبصمة الدولة الكبيرة في الاقتصاد.
وتشير بيانات البنك الدولي عن مصر إلى أن الناتج المحلي الحقيقي نما 5.3% خلال النصف الأول من السنة المالية 2025/2026، مقابل 3.9% في الفترة المقابلة، بدعم من تحسن الصناعات التحويلية غير النفطية وتوافر النقد الأجنبي ومدخلات الإنتاج، بجانب نشاط السياحة والاتصالات والتعافي التدريجي للملاحة في قناة السويس، لكن البنك الدولي يربط تحسين النتائج الاجتماعية وخلق الوظائف بضرورة تعميق الإصلاحات وتطوير بيئة الأعمال والاستثمار في رأس المال البشري.
يقول الدكتور رشاد عبده الخبير الاقتصادي إن الفجوة التي يفترض أن يعالجها البرنامج الجديد هي أن ارتفاع معدل النمو لا يثبت وحده أن الاقتصاد أصبح أكثر إنتاجية أو أن الوظائف الجديدة أفضل أو أن الصادرات قادرة على توفير النقد الأجنبي بصورة مستدامة.
ويضيف لـ مصراوي أن السؤال يظل دائمًا: ليس كم نما الناتج؟ بل: ما الذي أنتجه هذا النمو؟ وكم أضاف إلى القدرة التصديرية؟ وما إذا كان قد خلق وظائف ذات قيمة مضافة أعلى؟
وتستهدف الحكومة نموًا بنسبة 5.4% في خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للسنة المالية 2026/2027، مع استثمارات كلية تبلغ 3.7 تريليون جنيه، وتوقع أن يمثل القطاع الخاص نحو 59% من الاستثمارات المخططة، وهذه مستهدفات الحكومة ضمن ملامح الخطة.
صندوق النقد يوصي مصر بتوسيع دور القطاع الخاص للحد من مخاطر الدين
الدين.. عبء يتجاوز نسبة المديونية
يشير الدكتور حازم حسانين الخبير الاقتصادي، إلى أن خدمة الدين واحدة من أكبر القيود على قدرة الحكومة على توجيه مواردها إلى التنمية، إذ المشكلة لا تتعلق فقط بنسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، بل كذلك بحجم الفوائد المستحقة وتوقيتات السداد وحاجة الدولة إلى إعادة تمويل التزاماتها القائمة.
في أحدث تقييم له، أوضح صندوق النقد الدولي، في 21 سبتمبر 2026، أن احتياجات التمويل الإجمالية لمصر يتوقع أن تظل في حدود 40% من الناتج المحلي الإجمالي على المدى القريب، قبل أن تتراجع تدريجيًا إلى أقل من 30% بحلول 2030، كما حذر الصندوق من أن الاعتماد على آجال استحقاق قصيرة، إلى جانب ارتفاع انكشاف البنوك على الحكومة، يفاقم مخاطر إعادة التمويل ويحد من قدرة القطاع الخاص على الحصول على الائتمان.
ويضيف حسانين لـ مصراوي، أن تحقيق فائض أولي، أي تجاوز الإيرادات للمصروفات قبل احتساب فوائد الدين، لا يكفي وحده لإثبات أن أزمة التمويل انتهت، فالفائض قد يتحسن، بينما تظل فوائد الدين مرتفعة والاستحقاقات ضخمة، بما يفرض على الحكومة إعادة الاقتراض لتغطية التزامات سابقة.
ويرى أن البرنامج الجديد يحتاج مسار معلن لخفض تكلفة خدمة الدين وإطالة آجاله وتوسيع قاعدة المستثمرين، مع توضيح مقدار المساحة التي يمكن توفيرها للإنفاق على الصحة والتعليم والبنية الأساسية.
ولا بد أن يميز هذا المسار بين خفض نسبة الدين إلى الناتج وخفض قيمته الاسمية، وبين تحسن المؤشرات بسبب نمو الناتج الاسمي أو تغير سعر الصرف وبين الانخفاض الناتج عن السداد الفعلي. فهذه مؤشرات مختلفة، ولا يمكن اعتبار أحدها بديلًا عن الآخر في تقييم استدامة الدين.
انكماش نشاط القطاع الخاص في مصر خلال سبتمبر بسبب تراجع حاد في الإنتاج والمبيعات
القطاع الخاص.. هل يتغير دوره أم تتغير النسبة فقط؟
يضع صندوق النقد توسيع دور القطاع الخاص في قلب الإصلاحات المطلوبة، وفي تقرير المراجعة السابعة، أشار إلى أن التقدم في الإصلاحات الهيكلية كان متفاوتًا مع ضرورة تنفيذ سياسة ملكية الدولة وبرنامج التخارج بصورة أكثر حسمًا وتحسين حوكمة الشركات المملوكة للدولة وتعزيز المنافسة لجذب الاستثمار ورفع الإنتاجية.
يرى الدكتور خالد الشافعي الخبير الاقتصادي أن تمكين القطاع الخاص لا يساوي بيع الأصول الحكومية فقط، فنجاح التخارج ينبغي أن يقاس بما يضيفه إلى المنافسة والاستثمار والإنتاج والتشغيل وليس بحصيلة البيع وحدها، كما أن إعادة هيكلة شركة أو نقلها من جهة حكومية إلى أخرى لا يعني انتقالها إلى الملكية الخاصة، لذلك يجب الفصل بين إعادة التنظيم الإداري والتخارج الفعلي، مع نشر تفاصيل الصفقات وتقييماتها وحصيلتها واستخداماتها.
في هذا السياق، يربط البنك الدولي، في برنامج التمويل التنموي الذي أعلنه في مايو 2026، بين دعم استقرار الاقتصاد وبين إصلاحات تستهدف تحسين حوكمة الشركات المملوكة للدولة وتقليل العوائق أمام الاستثمار الخاص وتطبيق قواعد المنافسة العادلة وتطوير أسواق الدين المحلية.
ويضيف الشافعي لـ مصراوي أن البرنامج يحتاج قياس ما يحدث داخل الاقتصاد بعد هذه الإصلاحات، حيث يجب معرفة: هل ترتفع استثمارات الشركات في خطوط الإنتاج؟ هل تتوسع الصادرات؟ هل يتحسن الوصول إلى التمويل طويل الأجل؟ وهل تدخل شركات جديدة إلى الأسواق أم تظل الفرص مركزة في عدد محدود من اللاعبين؟ لأن زيادة حصة القطاع الخاص من الاستثمار هدف مهم، لكنها لا تثبت وحدها أن المنافسة أصبحت أكثر عدالة أو أن الاقتصاد أصبح أكثر إنتاجية.
5 أسرار وراء ارتفاع أسعار الموبايل في مصر عن جميع دول العالم
النقد الأجنبي.. من التدفقات الاستثنائية إلى الكسب المستدام
يقول الدكتور رشاد عبده إن تنويع موارد النقد الأجنبي شرط أساسي لتقليل تعرض الاقتصاد المصري للصدمات، لكن الاحتياطي الدولي، رغم أهميته، لا يكفي وحده للحكم على قوة المركز الخارجي، إذ ينبغي النظر أيضًا إلى مصادر هذه الأموال وطبيعة الالتزامات المقابلة لها وقدرة الاقتصاد على توليد موارد متكررة من النشاط الإنتاجي والخدمي.
ووفق البنك المركزي المصري، في بيانات ميزان المدفوعات للسنة المالية 2025/2026، شهدت المعاملات الخارجية ضغوطًا خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة المالية، مع تسجيل عجز كلي في ميزان المدفوعات بلغ 1.8 مليار دولار.
ويرى عبده أن قدرة الاقتصاد كلما زادت على كسب العملة الأجنبية من صادراته وسياحته وخدماته، انخفضت حاجته إلى الاعتماد على تدفقات قابلة للتراجع أو صفقات استثنائية يصعب تكرارها.
صندوق النقد الدولي يرفع توقعاته لنمو اقتصاد مصر إلى 4.7% للعام المالي الجاري
الإنتاجية والابتكار.. الحلقة التي لا تكفي الخطط وحدها لبنائها
ويوصي حسانين بأن التحول إلى اقتصاد منتج يتطلب أكثر من زيادة الإنفاق على المشروعات، إذ يحتاج إلى مؤسسات قادرة على تحويل الموارد إلى تكنولوجيا ومهارات ومنتجات تنافسية.
وفي مراجعتها لسياسات الابتكار في مصر، توصي منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بتعزيز التنسيق بين الجهات الحكومية المعنية بالبحث والابتكار وتحسين مؤشرات الأداء والمتابعة وتوفير تمويل مستقر وتوسيع التعاون بين الجامعات والشركات.
ويرى حسانين أن وجود إستراتيجية للابتكار أو زيادة الإنفاق على البحث العلمي لا يضمن أن تتحول المعرفة إلى منتجات أو شركات أو صادرات، ويتطلب ذلك حماية الملكية الفكرية وتسهيل إنشاء الشركات المنبثقة عن الجامعات ومراكز البحوث وربط التمويل بأولويات إنتاجية واضحة وتقييم أثر البرامج بصورة دورية.
ستاندرد آند بورز تتوقع تباطؤ نمو الاقتصاد المصري إلى 4.5% في السنة المالية 2027
النمو ومعيشة المواطنين.. الاختبار الذي لا يجوز تأجيله
يشير البنك الدولي في بياناته الخاصة بمصر إلى أن معدل الفقر الوطني بلغ 33.5% في السنة المالية 2021/2022، وأن الفقر وفق خط الفقر الدولي المستخدم في تقديراته ارتفع بنحو خمس نقاط مئوية بين 2022 و2024، وهذه البيانات ليست قياسًا لمعدل الفقر الحالي لكنها توضح أن تحسن المؤشرات الكلية لا يعني تحسن مستوى المعيشة بالسرعة نفسها.
يشير الشافعي إلى أن متابعة البرنامج لا ينبغي اقتصارها على نمو الناتج أو ارتفاع الإيرادات الضريبية؛ بل يجب أن تشمل فرص العمل الجديدة والأجور الحقيقية والإنتاجية وجودة الخدمات الأساسية وأثر السياسات على الأسر الأكثر تعرضًا للصدمات.
ويضيف: يتعين توضيح ما إذا كانت زيادة الإيرادات العامة ناتجة عن توسيع القاعدة الضريبية وتحسين الامتثال، أم أن التضخم والنمو الاسمي أسهما في رفع الحصيلة، حتى لا تختلط زيادة الإيرادات الاسمية بتحسن القدرة الحقيقية للدولة على تمويل الخدمات.
ويقول إن الحماية الاجتماعية جزء من استدامة الإصلاح، وليست بندًا منفصلًا عنه، فارتفاع تكلفة المعيشة قد يقلص قدرة الأسر على الاستهلاك والادخار والاستثمار في التعليم والصحة، كما أن ضعف فرص العمل المنتجة يحد من انتقال ثمار النمو إلى شرائح أوسع من المجتمع، ولهذا يحتاج البرنامج تحديد كيفية التوفيق بين الانضباط المالي وتمويل الخدمات الأساسية وقياس أثر النمو على الدخل الحقيقي والتشغيل.
المصدر:
رابط المصدر الأصلي



