هل أزاح الدجاج اللحوم من على عرش استهلاك البروتين عالميًا؟

لم يعد الدجاج مجرد بديل أرخص للحوم الحمراء، بل أصبح القوة الأسرع نموًا داخل سوق اللحوم العالمية، بعدما ارتفعت إمدادات الدواجن إلى 17.4 كيلوجرام للفرد عالميًا في 2023، متجاوزة الخنازير عند 15.4 كيلوجرام والأبقار عند 9.4 كيلوجرام، وفق بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “فاو”.
لا يعني ذلك أن العالم يتخلى عن اللحوم، بل ارتفع متوسط إمدادات اللحوم عالميًا من 41.5 كيلوجرام للفرد في 2013 إلى 45.3 كيلوجرام في 2023، لكن داخل هذه السوق المتنامية أصبحت الدواجن صاحبة النصيب الأكبر من الزيادة، مدفوعة بمزيج من السعر الأقل ودورة الإنتاج الأسرع وتحسن الإنتاجية واتساع الطلب في الاقتصادات الناشئة.
14 كيلوجرام زيادة للدواجن في 6 عقود
تكشف بيانات “فاو” عن ارتفاع إمدادات الدواجن من أقل من 3 كيلوجرام للفرد في 1961 إلى 17 كيلوجرام في 2022، بينما ارتفعت إمدادات لحم الخنزير إلى نحو 15 كيلوجرام، في حين ظل نصيب الفرد من لحوم الأبقار قريبًا من 9 كيلوجرام خلال الفترة نفسها.
وبحساب الزيادة، أضافت الدواجن أكثر من 14 كيلوجرام للفرد إلى إمداداتها العالمية خلال نحو 6 عقود، بينما تضاعف الخنزير تقريبًا، ولم تسجل الأبقار التحول نفسه، وتظهر بيانات “فاو” الاتجاه نفسه من زاوية أخرى؛ إذ ارتفع عدد الدجاج المذبوح عالميًا من نحو دجاجتين للفرد في 1961 إلى 9 دجاجات في 2022، أي نحو 4 أمثال، لكن عدد الطيور ليس هو نفسه كمية اللحوم؛ إذ تشير البيانات إلى أن زيادة أوزان الدجاج جعلت نمو كمية لحوم الدواجن أسرع من مجرد ارتفاع عدد الطيور.
تؤكد بيانات مكتب الإحصاء الاتحادي الألماني “ديستاتيس” لـ 2023 أن الدواجن أصبحت أكبر فئة منفردة داخل إمدادات اللحوم العالمية، عند 17.4 كيلوجرام للفرد، مقابل 15.4 كيلوجرام للخنازير و9.4 كيلوجرام للأبقار و3.1 كيلوجرام للأنواع الأخرى، وبذلك تمثل الدواجن نحو 38% من إجمالي إمدادات اللحوم للفرد عالميًا، مقابل نحو 34% للخنازير و21% للأبقار.
لماذا الدجاج؟
وفق بيانات “فاو”، ارتفع إنتاج اللحوم عالميًا من 248.3 مليون طن في 2003 إلى 366.7 مليون طن في 2023، بزيادة بلغت 48%، لكن إنتاج الدواجن ارتفع خلال الفترة نفسها من 76.1 مليون طن إلى 142.2 مليون طن، بزيادة 87%، أي ما يقرب من ضعف معدل نمو إجمالي إنتاج اللحوم.
وفي المقابل، ارتفع إنتاج لحوم الخنازير 31% إلى 124.6 مليون طن، وزاد إنتاج لحوم الأبقار 19% إلى 67.5 مليون طن، بينما ارتفعت الأنواع الأخرى 56% إلى 32.4 مليون طن.
ويرى تقرير “آفاق الزراعة” لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومنظمة الأغذية والزراعة 2025-2034، أن الدواجن تتمتع بعدة مزايا مقارنة بالأنواع الأخرى، أبرزها انخفاض تكلفة الإنتاج وقصر دورة التربية وارتفاع كفاءة تحويل الأعلاف إلى لحوم وإمكانية الإنتاج بالقرب من الأسواق الحضرية.
ومع تحسن الإنتاجية وتراجع تكاليف الأعلاف مقارنة بقمم أوائل العقد الحالي، تصبح الدواجن أكثر قدرة على الحفاظ على فجوة سعرية لصالحها مقارنة باللحوم التي تحتاج إلى دورات إنتاج أطول وكميات أكبر من الموارد.
وتتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، استمرار اتساع الفجوة بين أسعار اللحوم المجترّة، مثل الأبقار والأغنام، وأسعار اللحوم غير المجترة، مثل الدواجن والخنازير، نتيجة ارتفاع مكاسب الإنتاجية في قطاعي الدواجن والخنازير بوتيرة أكبر.
وتشير توقعات المنظمة إلى أن الأسعار الحقيقية للحوم غير المجترة قد تكون في نهاية فترة التوقعات أقل بنحو 20% من مستوى الأساس، بينما تنخفض أسعار اللحوم المجترة بنحو 8% عن مستوى الأساس.
الدجاج لا ينتصر في كل دولة
تكشف بيانات “ديستاتيس” لعام 2023 عن اختلافات كبيرة في تركيبة اللحوم بين الأسواق، ففي الولايات المتحدة، بلغ نصيب الفرد من إمدادات الدواجن 54.5 كيلوجرام، مقابل 37 كيلوجرام للحوم الأبقار و29.1 كيلوجرام للخنازير، وفي فرنسا بلغ نصيب الفرد من الدواجن 24.7 كيلوجرام، مقابل 21.7 كيلوجرام للأبقار و31.2 كيلوجرام للخنازير، أما الصين، فبلغت الدواجن 19.2 كيلوجرام للفرد، لكنها ظلت خلف الخنازير التي سجلت 42.1 كيلوجرام، وفي الهند، انخفض نصيب الفرد من الدواجن إلى 3.5 كيلوجرام، مقابل 2.3 كيلوجرام للأبقار و0.3 كيلوجرام للخنازير.
وتُظهر البيانات العالمية علاقة واضحة بين مستوى الدخل واستهلاك اللحوم، إذ تستهلك الدول مرتفعة الدخل كميات أكبر للفرد مقارنة بالدول منخفضة الدخل، لكن النمو الأسرع لا يحدث بالضرورة في الدول الأعلى دخلًا.
وفق “فاو”، فإن 45% من نمو استهلاك اللحوم عالميًا خلال العقد المقبل سيتركز في الدول ذات الدخل المتوسط الأعلى، بينما تتجه حصة استهلاك الفرد في كثير من الدول مرتفعة الدخل إلى الاستقرار.
وتشير المنظمة إلى أن إجمالي استهلاك اللحوم للفرد عالميًا سيزيد بنحو 3% فقط بحلول 2034 ليصل إلى 29.3 كيلوجرام للفرد سنويًا، وهي زيادة أبطأ من العقد السابق، بينما تحصل الدواجن على الجزء الأكبر من الزيادة الجديدة.
وتضع توقعات “فاو” الدواجن في قلب المرحلة المقبلة، فمن المتوقع أن يصل استهلاك الدواجن عالميًا إلى نحو 173 مليون طن بحلول 2034، وأن تستحوذ الدواجن وحدها على 62% من الزيادة في كمية اللحوم المستهلكة عالميًا خلال العقد.
وعلى مستوى الإنتاج، تتوقع المنظمة ارتفاع إنتاج اللحوم العالمي بنحو 13%، أو 46 مليون طن، بحلول 2034، على أن تمثل الدواجن 62% من الزيادة في الإنتاج أيضًا.
الدجاج لا يأخذ من الأبقار فقط
ترسم توقعات “فاو” تحولًا أوسع داخل سوق اللحوم، فبينما يُتوقع ارتفاع استهلاك الدواجن عالميًا بنحو 21% بحلول 2034، يُتوقع ارتفاع استهلاك لحوم الأغنام 16% والأبقار 13% والخنازير 5%.
وفي بعض الأسواق مرتفعة الدخل، تتوقع المنظمة استمرار تحول المستهلكين من الأبقار والخنازير والأغنام نحو الدواجن، مع استقرار إجمالي استهلاك الفرد من اللحوم، وهذا يعني أن الدجاج لا يضيف فقط مستهلكين جددًا إلى سوق اللحوم، وإنما يأخذ جزءًا من الطلب الموجود أصلًا على أنواع أخرى في بعض الأسواق.
وتتوقع المنظمة وصول إنتاج لحوم الأبقار إلى نحو 84 مليون طن حتى 2034، مع استقرار الاستهلاك العالمي للفرد عند نحو 6 كيلوجرام سنويًا، وتشير التوقعات إلى تراجع استهلاك الفرد من الأبقار في معظم المناطق، باستثناء الشرق الأوسط وآسيا، حيث يُتوقع ارتفاع نصيب الفرد بنحو 0.62 بحلول 2034.
وتتوقع المنظمة وصول استهلاك لحوم الخنازير إلى نحو 130 مليون طن، لكنه يأتي ثالث أكبر مساهم في نمو استهلاك اللحوم خلال العقد، مع توقع انخفاض الاستهلاك العالمي للفرد بنحو 4% مقارنة بفترة الأساس.
27.1 مليار دجاجة.. خلف الرقم صناعة ضخمة
وفق بيانات “فاو”، بلغ عدد الدجاج عالميًا نحو 27.1 مليار طائر في 2023، مقابل 15.9 مليار في 2003، بزيادة 70% خلال عقدين، بينما ارتفع عدد الأبقار من 1.3 مليار إلى 1.6 مليار فقط، بزيادة 17%، فيما ارتفع عدد الخنازير من 0.9 مليار إلى مليار واحد، بزيادة 7%.
ويظهر أثر تغير تركيبة الإنتاج على البيئة، إذ تتوقع “فاو” ارتفاع انبعاثات الغازات الدفيئة المرتبطة بإنتاج اللحوم بنحو 6% خلال العقد المقبل مقابل نمو إنتاج اللحوم بنحو 13%، وتربط المنظمة ذلك جزئيًا بزيادة حصة الدواجن بجانب تحسن إنتاجية وكفاءة الإنتاج.
أخيرًا، العالم لم يتخل عن اللحوم؛ فمتوسط إمدادات اللحوم للفرد ارتفع من 25 كيلوجرام في 1961 إلى 47 كيلوجرام في 2022 وفق بيانات “فاو”، وفي الوقت نفسه، ارتفعت الدواجن من أقل من 3 كيلوجرام للفرد إلى نحو 17 كيلوجرام، بينما بقيت الأبقار عند نحو 9 كيلوجرام، فالتحول الأساسي ليس من “اللحوم إلى الدجاج”، وإنما من تركيبة لحوم إلى تركيبة أخرى داخل سوق اللحوم.
المصدر:
رابط المصدر الأصلي



