ملتقى أزهري: الهبة وسيلة للمودة بين الناس.. وتوثيقها ضرورة لمنع النزاع

عقد الجامع الأزهر، اللقاء الأسبوعي للملتقى الفقهي (رؤية معاصرة) تحت عنوان: ” فقه المعاملات.. أحكام الهبة “رؤية فقهية”: بحضور أ.د علي مهدي، أستاذ الفقه بجامعة الأزهر وعضو لجنة الفتوى الرئيسة بالجامع الأزهر، وأ. د محمد صلاح حلمي، رئيس قسم أصول الفقه بكلية الشريعة والقانون- جامعة الأزهر، وأدار الملتقى الإعلامي عماد عطية، المذيع بإذاعة القرآن الكريم.
الهبة في اللغة
في مستهل الملتقى، عقد أمس الإثنين، أوضح فضيلة الدكتور علي مهدي أن الهبة في اللغة تدل على العطية والمنحة التي يمنحها الإنسان لغيره من غير مقابل، وأن أصلها اللغوي يفيد العطاء عن طيب نفس وسخاء، وهو ما يعكس روح الإحسان والتراحم بين الناس، لذلك قال المولى تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾.
وأضاف أن الفقهاء عرفوا الهبة بأنها: تمليك مال في حال الحياة بغير عوض، كما أن مقصدها الأسمى هو توثيق أواصر المودة والمحبة بين أفراد المجتمع، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: “تهادوا تحابوا”، لذلك فإن الهبة تختلف عن الصدقة؛ فالصدقة يقصد بها ابتغاء وجه الله تعالى وتوجه غالبا إلى الفقراء والمحتاجين، بينما الهبة أعم وأوسع، وتجوز لكل أحد.
الفرق بين الهبة والهدية
وأضاف فضيلة الدكتور علي مهدي أن الفقهاء فرّقوا كذلك بين الهبة والهدية؛ فالهدية غالبا ما تكون فيما ينقل من الأموال والأشياء، أما الهبة فهي أعم، فتشمل المنقول وغيره من العقارات وسائر الأموال، وفي قصة جابر ما يوضح ذلك حين كان يسير مع النبي صلى الله عليه وسلم على جمل قد أعيى، فسأله النبي: “ما لِجَمَلِكَ يا جابر؟”، فلما أخبره أنه قد كلّ وتعب، دعا له النبي صلى الله عليه وسلم ومسحه، فانطلق الجمل بنشاط غير معهود، ثم اشترى النبي الجمل من جابر بأوقية، فلما وصلا إلى المدينة أمر بإعطائه الثمن، ثم قال له: “خذ جملك وثمنه”، فجمع له بين الثمن والجمل، في أروع صور الكرم والإحسان وتأليف القلوب، وهذا الموقف يجسد المعاني السامية للهبة والهدية في الإسلام.
وبين فضيلة الدكتور علي مهدي، أن أعظم صور العطاء ليست مقصورة على المال، بل تمتد إلى الكلمة الطيبة وحسن الخلق، لذلك قال الله تعالى :”وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَىٰ صِرَاطِ الْحَمِيد”، فكم من كلمة طيبة أحيت الأمل في النفوس، وكم من خلق كريم أصلح علاقة أو أزال خصومة، لأن الكلمة الحسنة قد تكون في كثير من الأحيان أعظم أثرا من العطاء المادي.
الهبة في الشريعة الإسلامية
من جانبه قال فضيلة الدكتور محمد صلاح إن الهبة في الشريعة الإسلامية ليست مجرد تصرف، وإنما عقد شرعي تحكمه ضوابط وأركان تضمن حفظ الحقوق ومنع النزاع بين الناس، وأركان الهبة ثلاثة؛ أولها العاقدان، وهما الواهب والموهوب له، ويشترط في الواهب أن يكون بالغا عاقلا، مالكا للمال الموهوب، جائز التصرف فيه، فلا تصح هبة ما لا يملك أو ما منع شرعا من التصرف فيه، أما الركن الثاني فهو الموهوب.
وأوضح أنه يشترط أن يكون مالا مباحا معلوما، طاهرا، منتفعا به، ومقدورا على تسليمه، ولذلك قرر الفقهاء أن كل ما جاز بيعه شرعا جازت هبته، والركن الثالث الصيغة، وهي الإيجاب والقبول، كأن يقول الواهب: وهبتك هذا، ويقول الموهوب له: قبلت، بما يدل على التراضي بين الطرفين، ومراعاة هذه الضوابط تعكس عناية الشريعة بتنظيم المعاملات المالية على أساس الوضوح والرضا، بما يعزز الثقة بين الناس، ويجعل الهبة وسيلة لنشر المودة وصلة الأرحام، لا سببا للنزاع أو الخصومة.
وأوضح فضيلة الدكتور محمد صلاح، أن من الحكمة والاحتياط في الهبات، لا سيما ما يتعلق بالعقارات أو الأموال التي لا تنتقل ملكيتها إلا بالإجراءات القانونية والتوثيق الرسمي، أن يبادر الواهب إلى توثيقها؛ حفاظا على الحقوق، ومنعا لوقوع النزاعات بين الورثة أو أصحاب الشأن بعد وفاته، كما أن الشريعة الإسلامية تحرص على إغلاق أبواب الخصومة وصيانة العلاقات الأسرية، ولذلك جاءت أحكام الهبة واضحة ومنضبطة، وجمهور الفقهاء يرون أن الهبة لابد فيها من القبض للعين الموهوبة، إذ إن القبض يعد دليلا على انتقال الحيازة واكتمال عقد الهبة، وبذلك تستقر الحقوق وتتحقق مقاصد الشريعة في حفظ الأموال وإشاعة المودة بين الناس.
المصدر:
رابط المصدر الأصلي



