مصر أمام أخطر سؤال دستوري

كل دستور يبدأ بسؤال، وينتهي باختبار، وسؤال مصر اليوم بسيط في صياغته، ثقيل في تبعاته: هل يمتد عمر الوثيقة التي وافق عليها الشعب، أم يمتد عمر من يحكم بها؟
في 14 أكتوبر 2026، حسم الرئيس عبد الفتاح السيسي جانبه من الإجابة، خلال الندوة التثقيفية الـ44 للقوات المسلحة بعنوان “وطن الأبطال”، فقال إن دستور الدولة الذي وافق عليه المصريون لن يمسه أحد، وكررها مرتين، ودعا إلى ألا يعبث أحد بعقول المصريين.
بعدها بأسبوعين، وتحديدًا مساء أمس الجمعة، تحوّل السؤال من تصريح رئاسي إلى مشادة على الهواء: النائب مصطفى بكري اقترح، خلال مداخلة هاتفية مع الإعلامي عمرو أديب في برنامج “الحكاية” على “إم بي سي مصر”، إعداد دستور جديد أو تعديل الدستور القائم، ورأى أن من حق الرئيس أن يتخذ القرار الذي يراه صحيحًا، وأن من حق الشعب أن يطالب بمسار دستوري جديد.
ومن هذه المداخلة ينطلق هذا الملف. مصراوي هنا لا يُعيد سرد ما قيل، بل يفتح القضية من طرفيها: النص الدستوري والقانوني من جهة، والنخبة السياسية بكل أطيافها من جهة أخرى.
الشرارة.. نصف ساعة قلبت الترتيب
لم يكن في الأمر جديدًا من حيث الفكرة، فبكري نفسه طرحها في برنامجه “حقائق وأسرار” مساء أمس، ثم عاد إليها مع أديب في اليوم التالي. والجديد كان في التوقيت: رئيس جمهورية قال قبلها بأسبوعين إن الدستور لن يُمس، ثم أتى نائب في البرلمان ليقول إنه يمكن أن يمس، ولو عبر الطريق الأطول: وثيقة جديدة كاملة.
دخل أديب النقاش من زاوية الإجراء، لا من زاوية الرأي. سأله: “أنت عايز تقولي إن إحنا نروح نعمل دستور جديد.. بحاول أفهم بس”، ثم رسم السيناريو الذي يراه غير منطقي: أن تذهب الدولة إلى الرئيس فتقول له إنا غيّرنا الدستور، فهل تحب أن تكمل؟ ورد بكري بسؤال مضاد: “وإيه يعني إذا الشعب أراد؟”، ثم ذهب إلى أن أي وسيلة تُبقي هذا الرجل على أرض مصر ليكمل مشروعه الوطني في مواجهة التحديات، هو معها.
من المشادة: أديب قال “ده أنت كده يا فندم مش هتخترق المادة 226، ده أنت هتخترق الدستور كله”. وبكري رد على حديث الرأي العام بقوله “هم مين ده؟ البهوات اللي قاعدين في التكييف، وهو أنا مش من حقي أقول رأيي في البلد دي”.
وعند هذه النقطة تحديدًا، خرج النقاش من الدستور إلى السياسة.
لم يعد السؤال هل تُعدل المادة 140 أم لا، بل من يملك حق الكلام في هذا الباب، وهل الرأي العام الذي يستشهد به كل طرف هو رأي الناس أم رأي المنصات.
بكري قال صراحة إنه يعارض السيسي لأول مرة، مستدركًا أن البلد عنده أهم من أي شيء، وأن اقتراحه شخصي وأنه لا يفرضه على أحد.
أديب من جانبه نقل النقاش إلى مستوى آخر حين سأل: “الرئيس نفسه أكد التزامه بالدستور ودعا الجميع إلى التمسك بالنهج الديمقراطي، فهل نسعى نحن في المقابل لفرض مسار ديكتاتوري؟”.
وبين السؤال المضاد والسؤال المضاد، صارت مداخلة هاتفية عادية مادة خامًا لتغطية كاملة.
اقرأ أيضًا:
مشادة بين مصطفى بكري وعمرو أديب بسبب تعديل الدستور وانتخابات الرئاسة.. ماذا حدث؟
5 نقاط فجرت الخلاف بين بكري وأديب حول بقاء الرئيس السيسي
مصطفى بكري يعلن معارضته للسيسي لأول مرة بشأن الانتخابات.. ماذا قال؟
مصطفى بكري: أقترح وضع دستور جديد.. ومن حق السيسي اتخاذ القرار الذي يراه صحيحًا
جدل تعديل الدستور يتصاعد بين استقرار الدولة وتداول السلطة.. تغطية محدثة
الزاوية الدستورية.. ما تسمح به النصوص فعلًا
في الطبقة القانونية من القصة، هناك 3 مواد تحكم كل كلمة قيلت في الاستوديو، سواء قالها من يعرفها أو من تجاوزها؛ الأولى المادة 4، وهي التي استشهد بها الطرفان، وتنص على أن السيادة للشعب وحده يمارسها ويحميها، وأنه مصدر السلطات. والثانية المادة 140، التي تضبط مدة الرئاسة وعدد الفترات. والثالثة المادة 226، التي ترسم الطريق الوحيد المشروع لأي تعديل.
الطريق الذي ترسمه المادة 226
طلب يقدمه رئيس الجمهورية أو خُمس أعضاء مجلس النواب. ثم موافقة ثلثي أعضاء المجلس. ثم استفتاء شعبي. وأي مسار خارج هذا الخط، بما فيه الدعوة إلى جمعية تأسيسية جديدة أو وثيقة جديدة، ليس مجرد خيار سياسي مثير للجدل، بل خروج عن الإجراء الذي نصت عليه الوثيقة نفسها.
هذه هي المسافة بين الرأي والآلية، وهي المسافة التي ظهرت بوضوح في الحوار.
هنا يظهر التمييز الذي شغل الخبراء: الفرق بين تعديل بعض المواد، وإعداد دستور جديد بالكامل؛ فالأول إجراء داخلي تنظّمه المادة 226، والثاني يعني أن الوثيقة القائمة تُطوى ويُعاد تأسيس الشرعية من الصفر. وهو ما قاله أديب لبكري في الجملة الأكثر دقة في الحلقة: أنت لا تخترق مادة، أنت تضع الدستور كله جانبًا.
قراءة الخبراء لم تكن موحدة، وهو ما يمنح القضية عمقها.
الدكتور صلاح فوزي، أستاذ القانون الدستوري وعضو لجنة الخبراء العشرة التي أعدت دستور 2014، يرى أن دستور 2014 من أفضل ما كان يمكن إعداده في ظروفه، وأن وجود مواد تحتاج إلى مراجعة لا يعني الحاجة إلى دستور جديد بالكامل.
أما المحامية نهاد أبو القمصان، عضو لجنة الخمسين، فترفض الدعوات الحالية وتضع الأولوية في تنفيذ النصوص قبل تغييرها، وتنبه إلى أن أجزاءً من الدستور لم تأخذ حظها في النفاذ بعد.
وفي المقابل، ترى المحامية نهى الجندي أن المسألة مرتبطة بالتوقيت والضرورة السياسية لا بالصياغة الفنية، وأن التعديل الجزئي أقرب من وثيقة جديدة، مع الإشارة إلى أن أي تعديل يمر عبر المادة 226 وينتهي باستفتاء شعبي.
وفي الخلفية، يقف نص المادة 140 الذي يحدد مدة الرئاسة بـ 6 سنوات، ويحظر مد الفترة الرئاسية لأكثر من مدتين.
هذا النص هو نقطة الارتكاز في كل الحجج، لأن أي حديث عن استمرار يتجاوز 2030 يمر من فوقه أو من خلاله. الرئيس نفسه أشار في مداخلته إلى احترامه للصيغة التي تم التوصل إليها في المادتين 140 و226.
اقرأ أيضًا:
هل تحتاج مصر إلى تعديل الدستور أو وضع دستور جديد؟.. 4 خبراء قانونيين يجيبون
حسام بدراوي: لا يجوز تغيير القواعد الدستورية لإفادة النظام الحالي
ماذا قال الرئيس السيسي عن انتخابات الرئاسة 2030 في 3 مناسبات؟
كررها مرتين.. الرئيس السيسي: الدستور المصري لن يمسه أحد
الزاوية السياسية.. معركة أفكار لا مشادة
ما جرى في الاستوديو لم يكن خلافًا بين شخصين، بل اختزالًا لخلاف أوسع داخل النخبة المصرية حول معنى الاستقرار: هل يُصان بالحفاظ على الوثيقة كما هي، أم بترتيب الوثيقة بما يضمن استمرار من يدير المرحلة؟
الطرفان يستخدمان الكلمة نفسها بمعنيين متعاكسين، وكل منهما يعتبر نفسه الحامي الحقيقي للدولة.
في خانة الدفاع عن استقرار الوثيقة، يقف عمرو موسى، وزير الخارجية الأسبق ورئيس لجنة الخمسين، وهو الذي رحب بتصريح الرئيس واعتبره موقفًا فاصلًا وإنجازًا تاريخيًا يُحسب لكل من يسهم في تحقيقه، داعيًا البرلمان إلى إنجاز القوانين المكملة للدستور.
وفي تصريح خاص لمصراوي، ذهب إلى أبعد من ذلك: من يصرون على طرح تعديل الدستور من حقهم أن يقولوا ما يشاؤون، لكن لا بد من الحفاظ على استقرار مصر، مضيفًا جملته الحاسمة: “ومن هنا لا بد من تأييد كلام الرئيس إن الدستور لن يمسه أحد، وغير ذلك لغو”.
تيار “الوثيقة أولًا”: استقرار الدستور أساس استقرار الدولة، وتصريح الرئيس نقطة انتهاء للجدل وبداية لمرحلة سياسية مطلوب فيها تنفيذ النصوص لا تغييرها.
أي حديث عن وثيقة جديدة في هذا التوقيت يفتح بابًا لا يملك أحد إغلاقه.
تيار “المراجعة أولًا”: في الدستور عوار وثغرات تحتاج معالجة تتجاوز مادة واحدة، والبلد يتعرض لتحديات لا تحتمل جمود النص. والشعب مصدر السلطات يملك أن يقول كلمته عبر جمعية تأسيسية أو استفتاء، ما دام المسار دستوريًا.
وفي خانة المراجعة، لا يقتصر الأمر على بكري.
الخبير الدستوري صلاح فوزي يقر بوجود مواد تستحق النظرة، والمحامية نهى الجندي تتحدث عن متغيرات اقتصادية وتكنولوجية لم تكن في الحسبان عام 2014، والمثقفون انقسموا بدورهم: يوسف القعيد يرفض التغيير في هذه المرحلة ويصف الوثيقة الحالية بالجودة والكفاءة، بينما يذهب فريق آخر إلى أن الدستور يجب أن يواكب ما يجري حول مصر من تهديدات.
الملف الذي جمعه مصراوي من ثلاثة مثقفين يعكس الانقسام نفسه: الجميع يريد المصلحة، والاختلاف على الطريق.
ثم هناك الاتهامات: لم يقل أحد إن الآخر خائن صراحة، لكن التلميح كان حاضرًا في أكثر من موضع. بكري تحدث عن “رأي الخونة” و”المتآمرين” في مقابل “الرأي الوطني”، ودعا الرئيس إلى النزول إلى الشارع وعدم الاستماع إلى السوشيال ميديا، وسأل عن حجم التمويل الذي دخل مصر في الأيام الماضية.
وفي المقابل، جاء السؤال الأديبي عن المسار الديكتاتوري، وعبارة “البهوات اللي قاعدين في التكييف”، لتضع الخلاف في إطار الصفوة والجماهير، لا في إطار النص.
النواب بدورهم انقسموا على نحو حاد؛ فالنائب رضا عبد السلام اعتبر تصريح الرئيس “خطوة على الطريق الصحيح” وطالب بترجمته إلى حياة سياسية حقيقية غير مصطنعة، والنائب عبد المنعم إمام رأى فيه دلالة سياسية مهمة تمهد لانتقال سلمي للسلطة وفق الدستور، ووضع القوى السياسية أمام مسؤولية تاريخية.
وفي الجانب المقابل، يقف بكري وحده تقريبًا – مع بعض إعلاميين – في هذا الملف، لكنه لا يقف صامتًا.
اقرأ أيضًا:
عمرو موسى لمصراوي: استقرار الدستور أساس استقرار مصر.. وغير ذلك لغو
هل يحتاج الدستور إلى تعديل؟.. 3 مثقفين يطرحون رؤاهم عبر مصراوي
برلماني: تصريحات الرئيس بشأن الدستور تضع القوى السياسية أمام مسؤولية تاريخية
رضا عبد السلام: تصريح السيسي بشأن الدستور خطوة على الطريق الصحيح
عمرو موسى: احترام الدستور مسؤولية وطنية وبداية لمرحلة سياسية جديدة
خالد يوسف: تصريح السيسي عن الدستور ينهي الجدل المثار منذ سنوات
الرحلة.. كيف وصلنا إلى لحظة الضبابية؟
لا يمكن فهم ما جرى في أكتوبر الجاري دون العودة إلى 2011؛ فمنذ ذلك التاريخ، ومصر تكتب وثيقتها العليا ثم تلغيها ثم تعدلها ثم تعدل ما عدلته. والأهم من عدد المحطات، هو ما تكشفه من دأب متكرر: كل مرة يجري فيها تعديل، يكون السؤال المحوري هو مدة الرئاسة أو صلاحيات الرئيس.
مارس 2011: لجنة برئاسة المستشار طارق البشري تعدل تسع مواد من دستور 1971، منها قيود على مدد الرئاسة، وتيسير الترشح، وعودة الإشراف القضائي. الاستفتاء يجري في 19 مارس ويوافق عليه نحو 77.2%. ثم إعلان دستوري مؤقت في 30 مارس من 62 مادة.
ديسمبر 2012: دستور جديد يُقره مشروع الجمعية التأسيسية في نوفمبر، ويُعرض على استفتاء شعبي على مرحلتين في ديسمبر. تُعلن اللجنة العليا للانتخابات في 25 ديسمبر موافقة 63.8% مقابل رفض 36.2%.
3 يوليو 2013: إعلان تعطيل العمل بدستور 2012 ضمن خارطة طريق جديدة، وتولي رئيس المحكمة الدستورية العليا المستشار عدلي منصور رئاسة البلاد مؤقتًا. وفي 8 يوليو، إعلان دستوري من 33 مادة ينظم المرحلة الانتقالية.
يناير 2014: لجنة الخبراء العشرة ثم لجنة الخمسين تنتهيان من مشروع دستور جديد يحل محل دستور 2012، ويُعرض على استفتاء يومي 14 و15 يناير، وتعلن موافقة نحو 98.1% من المشاركين.
أبريل 2019: خُمس أعضاء مجلس النواب يتقدمون بطلب تعديل يقوده ائتلاف دعم مصر، ويوافق المجلس على مبدأ التعديل في 14 فبراير، ثم على الصياغة النهائية في 16 أبريل بأغلبية 531 عضوًا من 554 حاضرين. الاستفتاء يعلن موافقة 88.83%، وأبرز التعديلات زيادة مدة الفترة الرئاسية من أربع سنوات إلى ست مع الإبقاء على حد أقصى لفترتين.
أكتوبر 2026: الرئيس يعلن في 14 أكتوبر أن الدستور لن يمسه أحد، ويؤكد في 17 أكتوبر أن 2030 هي نهاية مدته. ثم يأتي اقتراح بكري بالدستور الجديد في 30 و31 أكتوبر، فيتحول الجدل من مسألة قانونية إلى معركة أفكار داخل النخبة.
في 1980 استُبدلت عبارة “لمدة أخرى” بعبارة “لمدد أخرى” في المادة 77، فصار المد ممكنًا بلا حد. وفي 2005 تغيرت طريقة اختيار الرئيس بعد ضغط سياسي وشعبي. وفي 2011 وُضعت قيود على المدد. وفي 2019 زادت المدة إلى ست سنوات.
الوثيقة التي يقول الجميع إنها خط أحمر، هي الوثيقة التي مُسّت أكثر من مرة، وبالطريقة نفسها تقريبًا: طلب من داخل البرلمان، ثم موافقة، ثم استفتاء.
لهذا يبدو سؤال بكري، من زاوية التاريخ، أقل غرابة مما بدا في الاستوديو. ولذلك أيضًا يبدو رد أديب، من زاوية المبدأ، أكثر منطقية: المشكلة ليست في أن الدستور لا يُعدل، بل في أن يكون التعديل مكتوبًا سلفًا لمن هو في السلطة. وبين التاريخ والمبدأ، تقع أزمة الثقة التي تصنع الضبابية.
اقرأ أيضًا:
الدساتير المصرية بين التغيير والإلغاء والتعطيل.. 19 محطة تاريخية مهمة
من فايدة كامل إلى مصطفى بكري.. نواب طالبوا بتعديل الدستور المصري
كل ما في هذا الملف يمكن اختزاله في جملة واحدة: مصر لا تعاني أزمة نص دستوري، بل أزمة ثقة في من يكتب النص ومتى.
المصدر:
رابط المصدر الأصلي



