عالمة بالأزهر تفسر سبب منع الميراث بين المسلم وغير المسلم

علقت الدكتورة روحية مصطفى، أستاذة ورئيس قسم الفقه الأسبق بجامعة الأزهر، على ما أثاره المذيع محمد خالد، في أحد برامج قناة «العربية»، من بعض الشبهات المتعلقة بأحكام المواريث، وحجية السنة النبوية، وحدود الاجتهاد في النصوص الشرعية، وذلك خلال استضافته الأستاذ الدكتور عطا السنباطي، عميد كلية الشريعة والقانون للبنين بالقاهرة بجامعة الأزهر.
وفي تعليقها على الأسئلة المثيرة، تفند العالمة الأزهرية هذه الشبهات واحدةً تلو الأخرى، لتقوم بعرض كل شبهة ثم الرد عليها بأدلتها، بلغة واضحة يفهمها المتابع غير المتخصص، مع التمييز بين الأحكام الثابتة بالنصوص والمسائل الاجتهادية التي اختلف فيها الفقهاء.
والمقصود من هذه الردود – تقول الدكتورة روحية مصطفى، عبر صفحتها الرسمية على الفيسبوك – مناقشة الأفكار المطروحة ورفع الالتباس عن المتابع، مع حفظ التقدير للضيف الكريم.
لماذا يُمنع الميراث بين المسلم وغير المسلم؟
الشبهة الثانية في برامج قناة «العربية»، تم توجيه سؤال مؤداه: لماذا يُمنع الميراث بين المسلم وغير المسلم، مع أن القرآن لم يذكر هذا الاستثناء؟ وكيف تُحرم الزوجة الكتابية من ميراث زوجها المسلم؟ وإذا كان بعض الفقهاء يجيزون للمسلم أن يرث غير المسلم، ويمنعون العكس، فلماذا تكون «أموالهم حلالًا لنا، وأموالنا حرامًا عليهم»؟
والجواب- تقول الدكتورة روحية مصطفى- أن الحديث النبوي جاء صريحًا في المنع من الجانبين، قال رسول الله ﷺ: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم»، متفق عليه ، وورد حديث آخر بلفظ: «لا يتوارث أهل ملَّتين شتَّى»، رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، بإسناد صحيح. وهذا هو قول جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة؛ فالمسلم لا يرث غير المسلم، وغير المسلم لا يرث المسلم، أما إجازة إرث المسلم من غير المسلم، فهي قول لبعض أهل العلم، خالفهم فيه الجمهور أخذًا بظاهر الحديث؛ فلا يصح عرضه كأنه حكم الشريعة المتفق عليه، ثم بناء الاعتراض عليه.
هل ترث الزوجة الكتابية زوجها المسلم؟
وأشارت أستاذة الفقه الإسلامي إلى أن هذا ما أخذ به القانون المصري أيضًا؛ فقد نصت المادة السادسة من قانون المواريث رقم ٧٧ لسنة ١٩٤٣ على أنه: «لا توارث بين مسلم وغير مسلم». فالمنع متبادل، وليس من جانب واحد؛ فلا يرث الزوج المسلم زوجته الكتابية، ولا ترث هي زوجها المسلم.
وأما عدم ذكر هذا المانع في آيات المواريث- تقول د. روحية- فلا يعني أن السنة خالفت القرآن؛ لأن الله جعل لرسوله ﷺ مهمة البيان، فقال: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. كما أمرنا الله بالأخذ بما جاء به الرسول ﷺ، فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. فقبول الحكم الثابت في السنة امتثال لأمر القرآن نفسه، ولا يشترط للعمل به أن يُذكر أيضًا في آيات المواريث. فالقرآن حدد نصيب الوارث المستحق، والسنة بيّنت موانع الاستحقاق. وحين نعمل ببيان الرسول ﷺ، فإننا نتبع القرآن الذي أمرنا بطاعته.
ولكن هل تركت شريعة الإسلام الزوجة الكتابية بلا رعاية بعد وفاة زوجها؟ إن منع الميراث لا يعني نسيان العشرة، ولا إهدار ما كان بين الزوجين من مودة ورحمة؛ فقد أبقت الشريعة باب الوصية مفتوحًا، يستطيع الزوج من خلاله أن يرعى زوجته، ويحفظ لها شيئًا من أسباب الأمان بعد رحيله، تصح وصية المسلم للذمي، والذمي للمسلم، والذمي للذمي، روي إجازة وصية المسلم للذمي عن شريح، والشعبي، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، ولا نعلم عن غيرهم خلافهم.
الوصية في الميراث
وتوضح العالمة الأزهرية أن للزوج أن يوصي لزوجته الكتابية بمال، وتنفذ الوصية المستوفية لشروطها دون حاجة إلى موافقة الورثة، ما دام مجموع الوصايا لا يتجاوز ثلث صافي التركة بعد مؤن التجهيز والديون. وما زاد على الثلث يحتاج إلى إجازة الورثة البالغين العقلاء الرشداء بعد وفاته، كلٌّ في حدود نصيبه، دون المساس بحقوق القاصرين.
بل قد تحصل بالوصية على أكثر من نصيب الزوجة المسلمة في الميراث؛ ففرض الزوجة المسلمة الواحدة الثمن مع وجود الفرع الوارث، والربع عند عدمه، أما الكتابية فيمكن أن يوصي لها زوجها بالثلث، وهو أكبر من الثمن والربع، فيستطيع أن يوصي لها بما يعادل نصيبها لو كانت مسلمة، أو يزيد عليه في حدود الثلث، والفرق أن المسلمة تستحق الميراث دون حاجة إلى وصية، أما الكتابية فتحصل على هذا المال إذا أوصى لها الزوج.
وقد أقر القانون المصري صحة الوصية مع اختلاف الدين والملة في المادة التاسعة من قانون الوصية رقم ٧١ لسنة ١٩٤٦، وأجاز في المادة السابعة والثلاثين الوصية في حدود الثلث دون موافقة الورثة، وهو يجيز ذلك للوارث وغيره – وفيه نظر –.
باب الإحسان بين الزوجين
وتضيف أستاذة الفقه الإسلامي: ثم إن باب الإحسان مفتوح بينهما في الحياة كذلك؛ فلكلٍّ من الزوج المسلم وزوجته الكتابية أن يهب للآخر من ماله في حياته ما يشاء، متى كانت الهبة صحيحة وصادرة في حال الصحة، مع مراعاة الأحكام الخاصة بعطايا مرض الموت. فلا يصح القول إن أموال أحدهما مباحة للآخر، وأموال الآخر محرمة عليه؛ إنما الحديث عن مانع من موانع الميراث، وليس منعًا للهبة أو الوصية.
وختمت د. روحية مصطفى، متسائلة: كيف للإعلام أن يعرض منع الميراث وحده، ونغفل هذه الأبواب التي أبقتها الشريعة للبر والوفاء؟ يستطيع كل منهما أن يُكرم صاحبه في حياته بالهبة، وأن يترك له بعد رحيله وصية تعينه على العيش. لقد منعت الشريعة التوارث لاختلاف الدين، لكنها لم تمنع الإحسان، ولم تجعل اختلاف العقيدة سببًا لنسيان المودة وحق العشرة.
اقرأ أيضًا:
المصدر:
رابط المصدر الأصلي



