بين فخ نصبته “موفدة الوزير المزيفة”، وعقود وُقعت على بياض تحت التهديد بالبطش؛ انحرف طلب تقنين “وضع يد” قُدم عام 2018 ليتحول إلى صفقة فساد مالي لاقتناص 150 فداناً من أراضي الدولة بأسيوط. هناك، التقت رغبة ثلاثة أشقاء في حيازة الأرض بطمع موظفين عموميين، لتدار كواليس المساومة بملايين النقد (الكاش) قبل أن تنكشف اللعبة.
هذه الشراكة المشبوهة القائمة على تبادل المصالح سرعان ما انهارت وتحولت إلى صراع وبلاغات، لتقطع الدائرة الحادية عشرة بجنايات أسيوط الطريق على الجميع بحكم رادع، قضى بالسجن المؤبد والعزل الوظيفي لـ 6 متهمين، لتسدل الستار على الصفقة الملوثة وتعود الأرض إلى الدولة بكلمة القانون.
موفدة الوزير المزيفة
بدأت فصول الخديعة السينمائية بين ديسمبر 2021 وفبراير 2023. داخل ردهات مجلس مدينة منفلوط، التقى الأشقاء الثلاثة بخمسة موظفين عموميين، بدا أنهم يمسكون بمفاتيح الحل والربط.
لم يكن الموظفون وحدهم، بل قدموا للأشقاء سيدة غامضة، زعموا أنها “موفدة شخصية من مكتب وزير التنمية المحلية” هبطت خصيصاً لتسهيل المعاملات الحرجة.
هناك، تحت وطأة المكاتب المغلقة، بدأت عملية “العصر” النفسي. نبرة الموظفين تغيرت من المساعدة إلى التهديد: “إما الدفع، أو إلغاء طلبات التقنين وطرح الأرض للبيع في المزاد العلني وتشريدكم”.
حدد الموظفون ثمن “صك الرضا”: 50 ألف جنيه عن كل فدان، بإجمالي 7.5 مليون جنيه مقابل تقنين الأرض بالمخالفة للاشتراطات القانونية.
ملايين كاش وعقود على بياض
أمام الرعب من فقدان الأرض، استسلم الأشقاء. تدفقت الأموال ؛ 6 ملايين جنيه كاش تسلمها أحد المتهمين، وتبعه آخر بـ 450 ألف جنيه. ولم يكتفِ الموظفون بذلك، بل أجبروا الأشقاء على توقيع “عقود بيع وشراكة على بياض” كرهينة وضمانة لسداد المليون و50 ألف جنيه المتبقية من قيمة الرشوة.
مرت الأيام، وتحولت الأسابيع إلى أشهر، والعقود النهائية للتقنين لا تظهر. بدأ القلق يتسرب إلى قلوب الأشقاء، فقرروا التقصي والبحث وراء “موفدة الوزير”، لتنفجر المفاجأة الأولى: السيدة ليست مبعوثة من الوزارة، بل موظفة بالشؤون القانونية بديوان عام المحافظة، وكل ما قيل كان فصلاً من مسرحية هزلية لإحكام الفخ. وعندما واجه الأشقاء الشبكة بالحقيقة وطالبوا بأموالهم، جاءهم الرد صادماً بتهديدات صريحة بالبطش والتنكيل.
صدمة “التشميع” وبلاغ اللحظة الأخيرة
مع مطلع عام 2023، أدرك الأشقاء أنهم وقعوا ضحية شبكة منظمة، خاصة بعدما تحركت “الرقابة الإدارية” بشكل مفاجئ صوب مكتب التقنين بالمحافظة، ليصدر قرار بغلقه، وتشميعه، ورصد مخالفات جسيمة فيه، ونقل عدد من الموظفين.
هنا، تيقن الضحايا أن أموالهم ذهبت مع الريح، فقرروا قلب الطاولة على الجميع، وتوجهوا إلى جهات التحقيق وبحوزتهم “صندوق أسود” من الأدلة: تسجيلات صوتية، محادثات مكتوبة، إيصالات استلام، وصور لعقود وخرائط وضعت خط النهاية للشبكة الفاسدة.
كلمة القضاء
وأمس الأربعاء، برئاسة المستشار أحمد عبد التواب صالح، وعضوية المستشارين روميل شحاتة أمين وعلاء الدين سيد عبد الملك، نطقت المحكمة بكلمة الفصل التي اهتزت لها جدران القاعة.
وقضت المحكمة بـالسجن المؤبد والعزل الوظيفي بحق الموظفين: (م.ص، ع.ع، ن.ب، م.م، أ.ع) بتهم طلب وأخذ عطايا مالية للإخلال بواجبات الوظيفة، والمؤبد لأحد المواطنين، مع إعفاء شقيقيه من العقوبة وفقاً للمادة القانونية التي تعفي الراشي في حال الاعتراف والتبليغ، لتطوى بذلك واحدة من أخطر قضايا الفساد الإداري في أسيوط، وتعود الـ 150 فداناً إلى حضن الدولة.
المصدر:
رابط المصدر الأصلي
ضي النهار