🖋بقلم المستشار الاعلامي هيثم زكريا الأصيل
في سجل الخلود الفني، يقف اسم سيد درويش شامخًا كقنديلٍ أضاء دروب الإبداع، وكنغمةٍ صادقةٍ خرجت من قلب الشعب لتستقر في وجدانه. لم يكن مجرد ملحن أو مطرب، بل كان مشروع نهضة كاملة، أعاد تشكيل الوجدان المصري، وصاغ موسيقى تعبر عن الناس لا عن القصور. وُلد سيد درويش من رحم المعاناة، فحمل في صوته نبض الشارع، وأنين العمال، وأحلام البسطاء. لم يتعامل مع الفن كترفٍ أو تزيينٍ للحياة، بل كرسالةٍ وطنية وإنسانية، جعلت من ألحانه سلاحًا ناعمًا في وجه الجمود والتقليد. ومن هنا، استحق بجدارة أن يُلقّب برائد النهضة الموسيقية الحديثة في مصر والعالم العربي. في زمنٍ كانت فيه الموسيقى حبيسة القوالب التقليدية، جاء سيد درويش ليكسر القيود، ويمنح اللحن روحًا جديدة. مزج بين الأصالة والتجديد، واستلهم من الحياة اليومية خامات إبداعه، فغنّى للصياد، والعامل، والحرفي، والموظف، وجعل لكل فئة صوتًا يُعبّر عنها. لم يكن الفن عنده انعزالًا عن الواقع، بل كان انعكاسًا حيًا له. ارتبط اسم سيد درويش ارتباطًا وثيقًا بالحركة الوطنية، فكانت ألحانه وقودًا للثورة، ونبضًا للحرية. ومن أشهر ما خلّده التاريخ نشيد **”بلادي بلادي”**، الذي أصبح فيما بعد النشيد الوطني المصري، ليظل شاهدًا على عبقريته وصدق انتمائه. ورغم رحيله المبكر، فإن تأثيره لم ينقطع، بل ظل ممتدًا في وجدان الأجيال، ومصدر إلهام لكل من جاء بعده. لقد وضع الأساس الذي بُنيت عليه الموسيقى العربية الحديثة، وفتح الأبواب أمام مدارس فنية جديدة أكثر جرأة وارتباطًا بالناس. إن الحديث عن سيد درويش ليس استدعاءً لماضٍ جميل فحسب، بل هو استحضار لقيمة فنية ووطنية خالدة، تؤكد أن الفن الحقيقي لا يموت، بل يتجدد مع كل زمن، ما دام صادقًا، نابضًا، ومتصلاً بروح الشعب.

