حِرفيون ومستثمرون.. بواكير الرأسمالية | مصراوى

ضى النهار مايو 14, 2026 6:23 مساءً محافظات 0

يظل مصدر الرأسمالية الحديثة في مصر موضع خلاف؛ إذ ترى وجهة نظر أن الاستعمار كان مصدرها، وتذهب وجهة نظر أخرى إلى أن مصدرها كان رأسمالية الدولة التي أقامها محمد علي. وقد أكدت دراسة رؤوف عباس وعاصم دسوقي أن الرأسمالية دخلت مصر في القرن التاسع عشر من خلال حيازة الأرض والزراعة.

وتتفق دراسة المؤرخة نللي حنا «حِرفيون مستثمرون: بواكير تطور الرأسمالية» (المركز القومي للترجمة، 2011) مع آراء بيتر غران ودراسة سمير أمين في أنه ربما كان هناك أكثر من مصدر، وأن بعض هذه المصادر كان قائما في القرن الثامن عشر، وتمضي لما هو أبعد منها للقول بأنه إضافة إلى رأسمالية التجار لا بد أن نضع في الحسبان أيضا الممارسات الرأسمالية التي اضطلع بها الحِرفيون في مشروعات أعمالهم الصغيرة.

تركز نللي حنا في كتابها حول تطور الرأسمالية في مصر من منظور جديد، مع اهتمام خاص بدور الحِرفيين والصناع في القاهرة بين عامي 1600 و1800 في إطار محلي لا يختزل نشأة الحداثة في مجرد الاتصال بالغرب.

وفي النهاية أصبح عدد من هذه الممارسات مصدرا للاقتصاد الحديث. وتنظيم العمل في طائفة البصمجية (طابعي المنسوجات) مثال جيد لإظهار الصلة بين ممارسات الطائفة والمصنع الحديث في عصر محمد علي.

والعقود الأربعة التي فصلت بين زمن إنشاء محمد علي لمصنع للنسيج وبين الحِرفيين الذين كانوا يطبعون الزخارف على المنسوجات، تظهر استمرارية هذه الممارسات. ذلك أن صناع المنسوجات في طائفة البصمجية الذين تجمعوا، باعتبارهم أعضاء في الطائفة، ليعملوا في مكان واحد؛ حيث قسموا فيما بينهم وظائفهم وأدوارهم المختلفة، ربما كانوا نموذجا لعلاقات عمل لاحقة، مثل تلك التي قامت في المصانع فيما بعد.

بل إن بعض جوانب الترشيد في المصانع ربما تطورت في إطار هيكل الطائفة. وبالطبع، فإن إدخال الآلات في مصانع القرن التاسع عشر أحدث فرقا.

تلقي المؤرخة نللي حنا في كتابها الذي ترجمه كمال السيد، نظرة عن كثب على بعض منهم، وخاصة من كانوا ينخرطون في صنع منتجات مهمة للسوق المحلية والتصدير، مثل صانع الحرير السيد اللوزي، لبيان كيف تطوروا وكيف طوروا ممارسات رأسمالية، أفرادا وطوائف، وكيف تصدوا لافتئات الطبقات الحاكمة على نشاطاتهم، وكيف قاوموا المنافسة الرأسمالية الأجنبية.

وبالنسبة للغالبية العظمى من الحِرفيين والصناع، يجب ألا يكون هناك مجال للشك في أنهم تعرضوا للإفقار وأن قدراتهم على الاستثمار قد تراجعت.

وربما كان التراجع أشد جلاء في القاهرة منه في أي مكان آخر من البلاد، ويمكن تخمين أن بعض نشاط الاستثمار انتقل بعيدا عن المراكز الكبرى (القاهرة والإسكندرية) إلى بلدات لا يصل إليها الأوروبيون – المحلة والمنصورة مثلا – وأن الاتجاه استمر نحو الترييف والأقلمة الذي كان قد بدأ في فترة أسبق.

لم ينقرض الاستثمار بالمشروعات الصغيرة بالضرورة في القاهرة، لكنه انتقل إلى أيدي آخرين غير الصناع المحليين. فبعد عام 1850، تدفق المستثمرون الأوروبيون، واستقروا في القاهرة والإسكندرية، حيث استطاعوا الاستفادة من التسهيلات الكثيرة التي منحها لهم خلفاء محمد علي ومن الامتيازات القانونية.

ويشير روبرت تينيور Robert Tignor إلى بعض المستثمرين الصغار الذين تحولوا إلى الأشغال الصناعية، مثل مصنع الزجاج ومصنع السجائر.

وإذا كان باحثون مثل غابرييل باير Gabriel Baer اعتبروا أن الطوائف هي في الأساس هياكل تديرها الدولة، وأن الدولة تسيطر على نشاطها، ورأت دراسات أحدث عهدا عن الطوائف أنها، على النقيض من ذلك، هياكل مرنة تبين السهولة التي كانت تسير بها شؤونها، فإن نللي حنا توضح أنه في القرن الثامن عشر كانت بعض الطوائف تدير ماليتها وتنظم أنشطتها وفق أسس رأسمالية.

وتمثل أحد أهداف هذه الممارسات الرأسمالية التي كان يتم الاضطلاع بها بصورة جماعية داخل الطائفة، في إنشاء صناديق أموال للطائفة وتوسيع رأسمالها النقدي الذي يولده أعضاء الطائفة، بغية تعزيز مكانتها في مواجهة التدخلات المتنامية من قبل مؤسسة السلطة. كانت هذه الممارسات المبتكرة مرتبطة بالطوائف التي تنتج منتجات أساسية، ومن أبرزها الطوائف التي تصنع المنسوجات؛ إذ كان صناع المنسوجات من أكثر الصناع ثراء في المدينة.

يركز الكتاب على بعض من الحِرفيين ميسوري الحال الذين استطاعوا – مع توسع التتجير، سواء الزراعة الجارية أو تحويل الأراضي الزراعية إلى سلعة – توسيع مجالات نشاطاتهم، وأقاموا استثمارات لها شأنها، وتمكنوا من الحراك لأعلى حتى بات أعضاء من بيوتهم قوادا وأمراء، خاصة المعصرانية والنساجين.

وتبين نللي حنا بالوقائع والأرقام والحكايات الموثقة، كيف لعب الصناع في مصر دورا في دخول بلادهم للعصر الحديث وبناء الصناعة والنظام الرأسمالي فيها، وفي هذا تجمع بين دور الأفراد الذين أوردت سير بعضهم بإسهاب وبين دور الجماعة من خلال الطوائف.

الفكرة المحورية في الكتاب الذي يقع في 384 صفحة، تشير إلى أن تاريخ مصر لم يصنعه مماليكها وسلاطينها، بل اختطه زراعها وتجارها وصناعها والعاملون في كل مجالات الحياة فيها.

في هذا السياق، تقدم نللي حنا رؤية نقدية لتاريخ مصر الاقتصادي والاجتماعي، موضحة أن الرأسمالية لم تكن حصيلة قرارات الحكام أو تأثير أوروبا وحدها، بل نتاج ديناميات داخلية أفرزها التجار والصناع والزراع، مع بروز رأسمالية من أسفل موازية لرأسمالية الدولة وتجلياتها مع محمد علي.

وتوضح نللي حنا كيف بشرت نذر بدت في قرون سابقة بسياسات محمد علي. وبدلا من اعتبار هذه الإصلاحات نتاج عمل حاكم واحد، ينبغي النظر إليها بوصفها جزءا من تطور تاريخي له جذور، في القرن الثامن عشر أو ما قبله.

لقد أمكن تنفيذها لأنها لم تأت من فراغ. وعلى مستوى العلاقة بين هيكل السلطة والحِرفيين، ثمة صلة واضحة بين سياسات محمد علي ومحاولات المماليك السيطرة على الطوائف بطرق شتى، كوسيلة للتسلل إلى الحياة الاقتصادية، بدرجات متفاوتة من النجاح.

لقد كانت سياسته، بأكثر من طريقة، تتويجا لعملية بدأت قبل ذلك بنحو قرن أو أكثر.

ولكي يحقق محمد علي بعض إصلاحاته، وضع الطوائف تحت سيطرة الدولة على نحو أوثق، وبذا تم إلزامها بتزويد المصانع الجديدة بالصناع، وبأن تشرف إلى حد معين على عملهم داخل المصنع. والواقع أن السيطرة السياسية على هذه الطوائف بصفة خاصة وعلى الاقتصاد بصفة عامة كانت لها جذورها من قرن سبق.

لقد عين محمد علي شيوخ الطوائف، واستخدم الطوائف بغية تنفيذ السياسات المالية والإدارية. واعتبر جون تشالكرافت John Chalcraft في دراسته للطوائف في القرن التاسع عشر، إخضاع الحاكم لها ابتكارا خاصا بالقرن التاسع عشر، والواقع أن الظاهرة كانت جزءا من عملية طويلة ترجع أصولها إلى ما قبل ذلك التاريخ بما يربو على قرن.

وقد بينت باسكال غزالة Pascale Ghazaleh وجون تشالكرافت أن محمد علي استخدم الطوائف في إدارة مصانعه. وتبين دراسة باسكال غزالة أن مصنع الخرنفش للمنسوجات، الذي أسسه محمد علي كان جزءا من سياسته للتصنيع، وهو مصنع حديث، يعمل بآلات أوروبية وتتم إدارته بمساعدة خبراء أوروبيين، كان في الواقع يجمع بين أساليب اقتصادية متباينة، حديثة، وتقليدية ورأسمالية.

كانت الآلات تديرها الحمير، وكانت اليد العاملة تقدمها الطوائف، وقد أقيم كل هذا في مصنع أنشئ حديثا له نوع جديد من الإدارة.

لا يمكن اعتبار الكتاب تاريخا اقتصاديا لمصر، بل هو بالأحرى دراسة لاتجاه واحد مهم بسبب الروابط التي تربطه بالاتجاهات المحلية والإقليمية والعالمية.

ثمة تركيز على القاهرة، ويرجع هذا جزئيا إلى أن الدراسات التاريخية عموما قد ركزت على العاصمة وأن ما نعرفه عن أنحاء مصر الأخرى ليس بالكثير.

وهذا لا يعني أن المناطق خارج العاصمة لم يكن لها تأثير على ما يجري في القاهرة، أو أنها لم تكن مهمة. فقد كانت هناك في الواقع قوى وفيرة خارج القاهرة جديرة بالاهتمام.

فالقبائل في صعيد مصر، مثل الهوارة، كانت قوية جدا إلى أن جاء حكم علي بك الكبير في أواخر القرن الثامن عشر، ومن الأكيد أنه كان لها بعض الوزن في الاقتصاد. إن ما كان يحدث في جرجا، وهي مركز لإنتاج القمح، كان لا بد أن يكون له تأثيره على الطبقة الحاكمة المملوكية.

الكتاب يستند إلى مصادر غير تقليدية كوثائق المحاكم الشرعية، ويواصل خط نللي حنا البحثي في تفكيك السرديات الاستشراقية حول العالم الإسلامي. هو إهداء للمؤرخ رؤوف عباس الذي وصفها بأنها ناقدة للمفاهيم السائدة في دراسات الاستشراق.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

المصدر: اضغط هنا