فوق سفح الجبل الشرقي بمحافظة المنيا، تقف قرية دير جبل الطير شامخة كواحدة من أشهر المحطات الدينية والتاريخية في رحلة العائلة المقدسة داخل مصر، وتمتزج القداسة بالتاريخ، وتتحول الصخور الصامتة إلى شاهد حي على حكايات عمرها أكثر من ألفي عام.
قبلة الزائرين في قلب المنيا
وعلى مدار العام، يتوافد آلاف الزائرين إلى دير جبل الطير بمركز سمالوط، بينما تتضاعف الأعداد بصورة لافتة خلال الاحتفال السنوي بمولد السيدة العذراء، والذي يستمر لمدة 8 أيام، إذ تستقبل المنطقة ما يقرب من مليوني زائر وفق الإحصاءات الأخيرة، في مشهد تتحول معه القرية الصغيرة إلى مدينة نابضة بالحياة والروحانيات.
ويأتي الزائرون من مختلف المحافظات للتبرك بالكنيسة الأثرية والمغارة الصغيرة التي اختبأت فيها العائلة المقدسة خلال رحلتها هربًا من بطش الملك هيرودس.
مغارة صغيرة احتضنت العائلة المقدسة
وتعود قصة المكان إلى ما يزيد على ألفي عام، حينما لجأت العائلة المقدسة إلى مغارة صغيرة داخل صخرة ضخمة أعلى الجبل الشرقي، بعدما وصلت إلى المنطقة خلال رحلتها التاريخية إلى مصر.
وتعد المغارة أحد أهم المزارات داخل الكنيسة الأثرية، فرغم أن مساحتها لا تتجاوز مترين طولًا ومتر عرضًا، لكنها احتضنت السيدة مريم والسيد المسيح ويوسف النجار لمدة ثلاثة أيام كاملة، قبل أن تواصل العائلة رحلتها جنوبًا نحو محافظة أسيوط.
لماذا سُمي المكان بجبل الطير؟
ويرجع اسم “جبل الطير” إلى الطيور المهاجرة التي كانت تتوافد قديمًا بأعداد هائلة إلى حواف الجبل، خاصة طائر “البيرقيروس”، وكان الأهالي ينتظرون هذا المشهد سنويًا في واحدة من أبرز الظواهر الطبيعية التي اشتهرت بها المنطقة.
أسطورة الصخرة وكف السيد المسيح
وترتبط المنطقة كذلك بإحدى الحكايات الشعبية الشهيرة، والتي تتحدث عن محاولة إحدى الساحرات إسقاط صخرة ضخمة على العائلة المقدسة أثناء وجودها بالمغارة، لكنها فشلت بعدما تصدى الطفل السيد المسيح للصخرة بمعجزة إلهية، إذ رفع يده فتوقفت الصخرة في مكانها وانطبعت عليها كفه.
وتشير الروايات إلى أن الساحرة سقطت من أعلى الجبل عقب تلك الواقعة، بينما نُقلت الصخرة لاحقًا إلى المتحف البريطاني ضمن الآثار المصرية القديمة.
كنيسة أثرية منحوتة داخل الجبل
وظلت الصخرة مكانًا للتبرك عبر مئات السنين، حتى جاء عام 328 ميلاديًا، عندما أمرت الملكة هيلانة، والدة الإمبراطور قسطنطين، بنحت الكنيسة الأثرية الحالية داخل الصخرة ذاتها التي احتمت بها العائلة المقدسة.
وحملت الكنيسة اسم السيدة العذراء بدير جبل الطير، لتصبح واحدة من أهم الكنائس الأثرية في صعيد مصر، فيما لا تزال المغارة تحتفظ بطابعها التاريخي داخل الكنيسة حتى اليوم.
مقتنيات تاريخية عمرها قرون
وتضم الكنيسة عددًا من المقتنيات الأثرية النادرة، من بينها حجاب الهيكل الخشبي الذي يعود إلى القرن السادس عشر، إلى جانب ثلاث أيقونات أثرية تم رسمها عام 1554 ميلاديًا، وهي من أبرز الكنوز التاريخية داخل الدير.
مولد العذراء.. 8 أيام من الاحتفالات
وخلال أيام المولد، تمتلئ المنطقة بالزائرين والخيام والأسواق الشعبية، في أجواء تجمع بين الطابع الديني والتراث الشعبي، بينما تستعد الأجهزة التنفيذية والخدمية بمحافظة المنيا سنويًا لاستقبال الأعداد الضخمة من الوافدين.
وبات دير جبل الطير اليوم واحدًا من أبرز المزارات الدينية والسياحية في صعيد مصر، ومقصدًا لآلاف الباحثين عن الروحانية والتاريخ في مكان احتفظ بقداسته عبر القرون، ليضع عروس الصعيد على الخريطة السياحية.
المصدر: اضغط هنا
