اقتصاد

تقرير: أزمة هرمز تفتح نافذة لمصر لجذب استثمارات الرقائق

تبرز مصر بين الدول التي قد تستفيد من التحولات التي تفرضها أزمة مضيق هرمز على سلاسل إمداد الصناعات التكنولوجية، وفي مقدمتها أشباه الموصلات ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، وفقًا لتقرير صادر “حلول للسياسات البديلة” التابع للجامعة الأمريكية بالقاهرة.

ويرى التقرير، الذي أعده شادي ممدوح، أن التحولات الجيوسياسية تدفع الشركات والدول إلى البحث عن مواقع إنتاج واستثمار أكثر مرونة وأقل تعرضًا لمخاطر اضطرابات الطاقة وسلاسل الإمداد، وهو ما يمنح مصر فرصة لتحسين موقعها في خريطة الاستثمارات المرتبطة بالاقتصاد الرقمي.

وتستند الفرصة المصرية إلى مجموعة من المقومات، أبرزها الموقع الجغرافي الذي يربط بين أفريقيا وأوروبا وآسيا، بجانب قناة السويس وشبكة الكابلات البحرية الدولية، فضلًا عن البنية التحتية الرقمية المتنامية وتنوع مصادر الطاقة.

ويشير التقرير إلى أن هذه العوامل يمكن أن تجعل مصر موقعًا مناسبًا لاستضافة مراكز البيانات والأنشطة المرتبطة بسلاسل القيمة الخاصة بأشباه الموصلات.
ولا تتوقف الميزة المصرية عند الموقع والبنية التحتية، إذ تمتلك البلاد احتياطيات من رمال السيليكا والكوارتز عالية الجودة، وهما من المواد الخام المرتبطة بصناعة أشباه الموصلات، بالتزامن مع تحركات حكومية لتوطين تكنولوجيا تصنيع الرقائق الإلكترونية والخلايا الشمسية.

كما اتخذت مصر خطوات لدعم قطاع تصميم أشباه الموصلات والإلكترونيات والأنظمة المدمجة، من بينها توسيع حوافز التصدير للقطاع ضمن إطار زمني يمتد إلى 7 سنوات، بهدف تعزيز قدرته التنافسية وجذب استثمارات جديدة.

وفي أبريل 2024، دعمت مصر بنيتها التحتية الرقمية بافتتاح مركز البيانات والحوسبة السحابية الحكومية، بما يوفر قدرات في الحوسبة السحابية وتحليلات البيانات والذكاء الاصطناعي، وهي مجالات تمثل أساسًا متزايد الأهمية للاقتصاد الرقمي العالمي.

لكن الفرصة ليست سهلة، فالتقرير يحذر من أن أمن الطاقة يمثل أحد المحددات الرئيسية لقدرة الدول على جذب الصناعات التكنولوجية كثيفة الاستهلاك للكهرباء، وتحتاج مصر ضمان إمدادات كهرباء مستقرة وتوسيع قدراتها في الطاقة المتجددة، بالتوازي مع توفير حوافز استثمار مستقرة وبنية تحتية متخصصة وتدريب العمالة.

هرمز.. أزمة طاقة تهدد صناعة الرقائق

لا تقتصر أهمية مضيق هرمز على تجارة النفط، إذ يمر عبره نحو ربع تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا، إضافة إلى حصة كبيرة من صادرات الغاز الطبيعي المسال، وتزداد حساسية الأزمة بالنسبة لآسيا، التي استقبلت في 2025 نحو 80% من صادرات النفط و90% من شحنات الغاز المسال العابرة للمضيق.
ويعني اضطراب هذه الإمدادات ارتفاع مخاطر الطاقة أمام مراكز تصنيع أشباه الموصلات في شرق آسيا، خصوصًا أن شركتي سامسونج للإلكترونيات وSK Hynix تسيطران على حصة ضخمة من إنتاج رقائق الذاكرة المستخدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

وتتزامن هذه المخاطر مع ارتفاع استهلاك الطاقة في قطاع التكنولوجيا، فمن المتوقع أن يرتفع استهلاك مراكز البيانات للكهرباء بنحو 15% سنويًا حتى 2030، ليصل إلى 945 تيراوات/ساعة، بما يعادل نحو 3% من الطلب العالمي على الكهرباء.

أما صناعة أشباه الموصلات نفسها، فمن المتوقع أن يصل استهلاكها العالمي للكهرباء إلى نحو 237 تيراوات/ساعة بحلول 2030.

سباق عالمي على توطين الرقائق

دفعت هذه المخاطر الاقتصادات الكبرى إلى ضخ استثمارات ضخمة لإعادة بناء سلاسل إمداد أشباه الموصلات داخل حدودها أو بالقرب منها.
فالولايات المتحدة خصصت 52.7 مليار دولار بموجب قانون الرقائق والعلوم، بينما أطلق الاتحاد الأوروبي برنامجًا بنحو 43 مليار يورو لزيادة حصته من الإنتاج العالمي للرقائق إلى 20% بحلول 2030.

وفي الصين، خصصت المرحلة الثالثة من صندوق الاستثمار في صناعة الدوائر المتكاملة نحو 340 مليار يوان لتعزيز القدرات المحلية في صناعة أشباه الموصلات.

يكشف ذلك عن تحول أوسع من مجرد تأمين إمدادات الرقائق إلى إعادة توزيع جغرافية لصناعة التكنولوجيا نفسها، وهو التحول الذي يرى التقرير أنه قد يفتح نافذة أمام اقتصادات صاعدة مثل مصر.

الطاقة.. مفتاح الفرصة المصرية

وتزداد أهمية هذا التحول مع ارتفاع تكلفة الطاقة بالنسبة لصناعة أشباه الموصلات، فقد ارتفع خام برنت من 72.5 دولار للبرميل في نهاية فبراير 2026 إلى أكثر من 118 دولارًا خلال مارس، بالتزامن مع قفزة كبيرة في أسعار الغاز الطبيعي الأوروبية.

كما تمثل الطاقة عنصرًا مؤثرًا في تكاليف الشركات العاملة في صناعة أشباه الموصلات، ما يجعل استقرار الإمدادات الكهربائية عاملًا حاسمًا عند اختيار مواقع الاستثمارات الجديدة.

ويرى التقرير أن مصر تستطيع استغلال موقعها ومقوماتها اللوجستية والرقمية والطبيعية لجذب جزء من الاستثمارات الجديدة، لكن ذلك يتطلب الانتقال تدريجيًا من مجرد استضافة الأنشطة الأقل تعقيدًا إلى بناء قاعدة صناعية وتكنولوجية متكاملة.

ويشمل ذلك تطوير مجمعات متخصصة لأشباه الموصلات وتوفير بنية تحتية موثوقة وتدريب العمالة وتشجيع شراكات نقل التكنولوجيا والبحث والتطوير بين الجامعات والشركات العالمية.

وحسب الرؤية المطروحة في التقرير، يمكن أن تبدأ مصر من مراحل تصميم الرقائق والتجميع والاختبار والتغليف، ثم تتحرك تدريجيًا نحو الأنشطة الأعلى قيمة في سلسلة صناعة أشباه الموصلات.

وهكذا، لا تمثل أزمة هرمز بالنسبة لمصر مجرد تهديد محتمل للطاقة، وإنما قد تحمل أيضًا فرصة لإعادة التموضع داخل خريطة الاستثمارات التكنولوجية العالمية، إذا نجحت القاهرة في تحويل مزايا الموقع والطاقة والبنية التحتية والمواد الخام إلى منظومة متكاملة قادرة على استقطاب هذه الصناعة.


المصدر:

رابط المصدر الأصلي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى