في كل عام، ومع حلول شهر رمضان الكريم، تتسلل إلى بيوتنا موجة من البرامج التي تُقدَّم تحت ستار الترفيه، بينما تحمل في مضمونها تشويهًا للقيم، وتدميرًا للفطرة الإنسانية، وفي مقدمتها برامج المقالب التي تعتمد على الإهانة والترويع والسخرية الرخيصة.
تلك البرامج، بأقنعتها القبيحة وأساليبها المقززة، لا تكتفي بإضحاك لحظي زائف، بل تزرع في نفوس النشء والشباب مشاعر القسوة، وتقتل المروءة، وتُضعف الوجدان، وتُرسّخ ثقافة التنمّر والغضب والانحطاط الأخلاقي.
ويبدو المشهد وكأننا نحرث في البحر، بينما تقف المؤسسات المعنية بالإعلام والثقافة والتعليم عاجزة أو غائبة عن إدراك حجم الكارثة الإنسانية والتربوية التي تتفاقم عامًا بعد عام، في ظل تراجع القيم وغياب القدوة، وانتشار فقر روحي وأخلاقي يهدد المجتمع بأكمله.
والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة:
لماذا لا يُستثمر الشهر الكريم في تقديم محتوى إعلامي يسمو بالنفس، ويعزز القيم الإنسانية، ويُعيد الاعتبار للأخلاق والرحمة والتكافل؟
لماذا هذا الإصرار على تشويه الذوق العام، وغرس الرذائل في عقول الشباب عبر برامج تُغلف الانحراف بعناصر جذب خادعة؟
الأخطر من ذلك هو ترك الساحة الإعلامية لمعيار المشاهدات فقط، وكأن التأثير النفسي والتربوي لا قيمة له، في سباق محموم نحو الربح على حساب وعي الأجيال ومستقبل المجتمع.
إن ما نشهده اليوم من محتوى هابط لا يقل خطرًا عن أخطر الآفات الاجتماعية، بل يفوق في تأثيره كثيرًا من صور الانحراف، لما له من قدرة على التطبيع مع العنف اللفظي والسخرية وإيذاء الآخرين.
ومن هنا يوجَّه نداء عاجل إلى صُنّاع الإعلام وأصحاب القرار، بضرورة تحمّل مسؤوليتهم الأخلاقية قبل المهنية، والعمل على ضبط المحتوى المعروض، وخاصة في شهر رمضان الذي يُفترض أن يكون موسمًا للقيم لا للانحدار.
كما يُوجَّه نداء آخر إلى أولياء الأمور، بعدم ترك الأبناء فريسة مفتوحة للمحتوى الهدّام عبر الهواتف والمنصات المختلفة دون رقابة أو توجيه، فالمعركة اليوم معركة وعي قبل أن تكون معركة وقت.
ختامًا، إن إنقاذ الأجيال من هذا الخطر الداهم واجب وطني وأخلاقي، يتطلب تكاتف الأسرة والإعلام والمؤسسات التربوية، حتى لا نستيقظ يومًا على مجتمع فقد روحه وقيمه تحت شعار الترفيه.
