أسرار رقصة الهاكا النيوزيلندية

🖊بقلم المستشار الاعلامي هيثم زكريا الأصيل
قبل أن تتردد كلمات القادة في ساحات المعارك كانت الأجساد تتحدث بلغتها الخاصة وكانت العيون ترسل رسائل التحدي وكانت الأرض تهتز تحت وقع الأقدام في مشهد يجسد الشجاعة والإصرار هكذا ولدت رقصة الهاكا النيوزيلندية التي لم تكن مجرد استعراض حركي بل سجلًا حيًا لتاريخ شعب الماوري ورمزًا خالدًا للهوية والانتماء والكرامة

في قلب نيوزيلندا حيث عاش شعب الماوري لقرون طويلة نشأت الهاكا باعتبارها واحدة من أقدم الفنون التعبيرية في العالم وكانت تؤدى قبل خوض المعارك لإشعال الحماسة في نفوس المحاربين وبث الرهبة في قلوب الخصوم ولم يكن الهدف منها إعلان الحرب فحسب بل تأكيد الشجاعة وإظهار الوحدة واستحضار أرواح الأسلاف الذين شكلوا مصدر القوة والإلهام عبر الأجيال
تعتمد الهاكا على تناغم مذهل بين حركة الجسد والإيقاع والصوت فتبدأ بضرب الأقدام بقوة على الأرض ثم تتوالى الضربات على الصدر والفخذين مع اتساع العينين وإخراج اللسان وإطلاق صيحات جماعية مدوية وكل حركة تحمل معنى وكل إشارة تمثل رسالة وكل تعبير في الوجه يروي قصة من قصص البطولة والصمود
ويرى الباحثون في التراث الماوري أن الهاكا ليست رقصة عشوائية بل لغة بصرية متكاملة تعكس مفاهيم القوة والاحترام والوحدة والالتزام تجاه الجماعة كما أنها وسيلة لحفظ التاريخ الشفهي ونقل القيم الثقافية من جيل إلى آخر دون الحاجة إلى الكتب أو الوثائق المكتوبة

وعلى الرغم من ارتباطها التاريخي بالحروب فإن الهاكا تطورت مع مرور الزمن لتصبح جزءًا من الحياة اليومية في المجتمع النيوزيلندي فهي تؤدى في حفلات الترحيب الرسمية والمناسبات الوطنية والاحتفالات العائلية والجنازات وتكريم الشخصيات البارزة وحتى في حفلات التخرج لتؤكد أن قيم التضامن والانتماء لا تقتصر على ميادين القتال بل تمتد إلى مختلف جوانب الحياة
وجاءت الشهرة العالمية للهاكا عندما تبناها منتخب نيوزيلندا للرجبي المعروف باسم أول بلاكس وأصبحت الرقصة تسبق كل مباراة دولية في مشهد ينتظره الملايين حول العالم حيث يقف اللاعبون في صفوف متراصة ويؤدون الهاكا بإيقاع قوي يعكس الفخر الوطني ويمنح الفريق حالة من التركيز والثقة بينما يفرض على المنافسين لحظة من التأمل أمام هذا العرض المهيب
ورغم أن البعض ينظر إلى الهاكا باعتبارها وسيلة لإرهاب المنافس فإن الرياضيين والخبراء يؤكدون أنها قبل كل شيء تعبير عن احترام الذات والاعتزاز بالتراث وأنها رسالة ثقافية تحمل قيم الانضباط والوحدة والإرادة أكثر مما تحمل معاني التهديد أو العداء
لقد أصبحت الهاكا اليوم رمزًا عالميًا يتجاوز حدود نيوزيلندا فهي تقدم للعالم نموذجًا فريدًا لكيفية حفاظ الشعوب على تراثها وتحويله إلى عنصر من عناصر القوة الناعمة التي تعزز حضورها الثقافي والإنساني في المحافل الدولية
وهكذا تثبت الهاكا أن الجسد قادر على رواية التاريخ مثلما ترويه الكلمات وأن الإيقاع قد يحمل من المعاني ما تعجز عنه الخطب الطويلة وأن الشعوب التي تحافظ على جذورها تظل قادرة على مخاطبة العالم بلغتها الخاصة مهما تغيرت الأزمنة وتعاقبت الأجيال فالهاكا ليست مجرد رقصة إنها نبض أمة وصوت حضارة ورسالة خالدة تؤكد أن الهوية الحقيقية تبدأ عندما يتكلم الجسد قبل أن ينطق اللسان


