ذكرى وفاة البابا شنودة الرابعة عشرة

على ضفاف النيل الهادئ، حيث تتداخل رائحة الطين مع نسيم أسيوط الريفي، تقف قرية “سلام” متواضعة كعادتها، لكن في قلبها سرّ يهمس بتاريخ روحي عظيم. هنا، قبل أكثر من قرن، وُلد طفل سيصبح لاحقًا أحد أبرز باباوات الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.. البابا شنودة الثالث. واليوم الثلاثاء، في الذكرى الرابعة عشرة لرحيله، تعود القرية إلى الواجهة، تعيد فتح باب الحكاية من جديد.
يأتي تاريخ 17 مارس كل عام محمّلًا برائحة الذكرى. ذكرى رجل لم يكن مجرد بابا، بل كان صوتًا للحكمة، ووجهًا للوطنية، وذاكرة حيّة في وجدان الأقباط والمصريين. ورغم مرور 14 عامًا على رحيله، فإن حياة البابا شنودة لا تزال تفرد صفحاتها؛ بعضها مكتوب في الكتب، وأغلبها منقوش في قلوب الناس.
منزل طيني يطل على النيل
على بُعد 11 كيلومترًا من مدينة أسيوط، تقع قرية سلام على ضفاف نهر النيل، وعند الاقتراب من القرية، تتغير إيقاعات الزمن؛ الأزقة الضيقة، المنازل المتلاصقة، الأبواب الخشبية القديمة.. كلها تشي بأن شيئًا هنا لم يتغير منذ عشرات السنين، وسط هذا المشهد، يقف منزل الطفولة بجدرانه الطينية المتشققة مثل شاهد صامت على ميلاد نظير جيد روفائيل في أغسطس 1923، والذي أصبح لاحقًا قداسة البابا شنودة الثالث.
المنزل يبدو وكأنه خارج من فيلم وثائقي: “باب خشبي بسيط، طابق علوي يحتفظ بغرفة الميلاد، وأثاث متهالك ظل مكانه كأن الزمن لم يجرؤ على المساس به. يقول الجيران إن أحدًا لم يدخله منذ عقود، وإنه بقي كما تركته الأيام، وكما عرفه التاريخ”.
مولد نظير جيد
في 13 أغسطس 1923، كانت أسرة جيد روفائيل تنتظر مولودها في بيت بسيط يعبّر عن نمط الحياة الريفية؛ هناك وُلد “نظير”، وسط فرحة الأسرة وهدوء القرية، ليبدأ حياة اتسمت بالتواضع والصلابة، حملت جدران المنزل الطينية ملامح طفولته وأحلامه الأولى التي مهدت لطريقه نحو قيادة الكنيسة القبطية.
الوصول إلى منزل ميلاد البابا اليوم يشبه رحلة عبر الزمن؛ إذ يقع وسط أزقة ضيقة ويطل على النيل. جدرانه الطينية المتشققة وبابه الخشبي القديم ما زالت تشهد على زمن مضى. في الطابق الثاني تقع الغرفة التي شهدت ولادته، ولا تزال تحتفظ ببعض الأثاث القديم، بينما يؤكد الجيران أن المنزل مغلق منذ عشرات السنين ويعاني من الإهمال.
طفولة تبدأ بالفقد وتُكملها القرية
يروي أهالي قرية سلام ذكريات تناقلتها الأجيال عن طفولة نظير جيد، ويتذكرون شغفه المبكر بالقراءة والكتابة، كما يتحدثون عن والدته التي توفيت بعد أيام من ولادته وكيف تكفلت نساء القرية برعايته.
يروي أهالي القرية أن والدته توفيت بعد ثلاثة أيام فقط من ولادته نتيجة حمى النفاس. منذ تلك اللحظة، صار الطفل “نظير” ابنًا للقرية كلها؛ رضع من ثلاث سيدات إحداهن مسلمة، في مشهد يختصر قيم التراحم والمودة التي عاشتها مصر قديمًا وما زالت.
غرفة تطل على النيل
إحدى الغرف في الطابق الثاني للمنزل لا تزال محتفظة بقطع أثاث قديمة، كأنها ترفض أن تقدم استقالتها من الذاكرة. هناك، بجوار النافذة المطلة على النيل، وُلد البابا شنودة. ربما رأى من تلك النافذة دون أن يعي أفقًا واسعًا يشبه المستقبل الذي ينتظره.
إيهاب كامل نان، أحد أبناء القرية، يقف أمام البيت ويحكي وكأنه يقرأ من كتاب مفتوح: “والدي كان دائمًا يقول إن نظير جيد كان مختلفًا.. يحب القراءة منذ طفولته، ويكتب الشعر وهو في السادسة عشرة”؛ يحكي إيهاب بابتسامة فخر أن البابا شنودة اشترى هذا المنزل لاحقًا من أقاربه، ليظل ملكًا له، رغم أنه لم يزره لاحقًا طوال حياته بعد أن غادر القرية صغيرًا.
وأضاف كامل أن البابا شنودة رضع من ثلاث سيدات في القرية، من بينهن سيدة مسلمة، قبل أن ينتقل لاحقًا مع شقيقه الأكبر الذي تولى رعايته.
المصدر: اضغط هنا



