أصوات من قلب الأرض والكون… تسجيلات علمية غامضة تُعيد طرح أسئلة كبرى

🖊بقلم المستشار الاعلامي هيثم زكريا الأصيل

على الرغم من التقدم الهائل في أدوات الرصد والتحليل، لا يزال العلماء يواجهون ظواهر صوتية غامضة سُجّلت في أماكن متفرقة من الأرض والفضاء، دون التوصل إلى تفسير نهائي لبعضها. هذه الأصوات، التي التقطتها أجهزة علمية دقيقة، فتحت نقاشًا واسعًا داخل الأوساط البحثية حول حدود المعرفة العلمية وتعقيد الظواهر الطبيعية.
من أبرز هذه الحالات ما يُعرف بصوت “بلوب”، الذي سجّلته الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي الأمريكية عام 1997 في المحيط الهادئ. ويقول الدكتور كريستوفر فوكس، عالم الجيوفيزياء البحرية السابق بـNOAA، إن شدة الصوت وانتشاره الواسع “يدلان على حدث طبيعي هائل الطاقة”، مرجحًا أن يكون ناتجًا عن تصدعات وانهيارات جليدية ضخمة في المناطق القطبية. ويضيف أن عدم القدرة على تحديد المصدر فورًا “لا يعني وجود كائنات مجهولة، بل يعكس تعقيد البيئة البحرية وصعوبة دراستها”.
وفي مجال علوم الفضاء، يشير باحثون في وكالة “ناسا” إلى ما يُعرف بـالأصوات الكونية، وهي إشارات كهرومغناطيسية يتم تحويلها إلى أصوات مسموعة لأغراض علمية. وتوضح الدكتورة ليندا سبيلكر، عالمة الكواكب، أن هذه الأصوات “لا تُسمع بالأذن البشرية في الفضاء، لكنها تمثل بيانات فيزيائية حقيقية ناتجة عن تفاعلات البلازما والمجالات المغناطيسية”. وتؤكد أن الغموض لا يكمن في وجود الصوت نفسه، بل في فهم كل العوامل التي تشكل هذه الإشارات.
أما على سطح الأرض، فتبرز ظاهرة “الهمهمة الأرضية” التي حيّرت العلماء لسنوات. ويرى الدكتور ديفيد ديمِنغ، أستاذ علوم الأرض، أن هذه الأصوات منخفضة التردد قد تكون نتيجة تداخل بين مصادر طبيعية مثل النشاط الزلزالي الدقيق، وأخرى بشرية كالمصانع وشبكات الطاقة. ويؤكد أن “عدم سماع الجميع لهذه الهمهمة يشير إلى اختلافات فردية في حساسية السمع والإدراك”.
ويتفق عدد من العلماء على أن هذه الظواهر لا تشكل لغزًا واحدًا بقدر ما هي مجموعة من الحالات المختلفة، لكل منها تفسير محتمل. ويقول الفيزيائي الفلكي براين كوكس إن “العلم لا يعمل بمنطق الإجابات النهائية السريعة، بل عبر تراكم الأدلة وتقليص مساحة المجهول تدريجيًا”.
ويخلص الباحثون إلى أن استمرار تسجيل مثل هذه الأصوات يمثل فرصة علمية لا تهديدًا معرفيًا، إذ تساعد البيانات الجديدة على تطوير نماذج أكثر دقة لفهم الأرض والكون. وبين ما فُسِّر وما لا يزال قيد الدراسة، تبقى هذه الأصوات تذكيرًا بأن الطبيعة لا تزال تمتلك ما يكفي من الأسرار لإبقاء العلم في حالة بحث دائم.